ultracheck
مجتمع واقتصاد

من اقتصاد الأفراد إلى الحوكمة: هل تغيّر النموذج الاقتصادي في سوريا بعد سقوط النظام؟

10 ديسمبر 2025
واجهة مبنى مصرف سوريا المركزي
واجهة مبنى مصرف سوريا المركزي (Getty/ الترا سوريا)
أغيد حجازي
أغيد حجازيكاتب وصحافي

منذ وصول حزب البعث إلى السلطة في سوريا عام 1963، أخذ الاقتصاد السوري بعدًا جديدًا؛ إذ تحوّل تدريجيًا من اقتصاد مؤسساتي إلى اقتصاد يخضع لمنطق الأشخاص والأفراد. وتكرّس هذا التحوّل مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، حيث أحكمت دائرة ضيقة مرتبطة بعائلته وأقاربه وشخصيات مقربة منه سيطرتها على الاقتصاد السوري، من الاستثمارات الكبرى إلى عقود الاستيراد، وصولًا إلى الوكالات الحصرية للشركات العربية والأجنبية. وبقي هذا النهج الاقتصادي قائمًا، موروثًا مع انتقال الحكم إلى بشار الأسد عام 2000.

ومع سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، تبرز اليوم، بعد مرور عام على المرحلة الجديدة في سوريا، أسئلة جوهرية حول طبيعة التحوّل الاقتصادي: هل انتقل الاقتصاد بالفعل من حكم الأفراد إلى الحوكمة المؤسساتية؟ أم أنّ النهج المترسّخ منذ نصف قرن ما يزال مستمرًا بصيغ جديدة؟ وما مخاطر غلبة الاقتصاد الفردي على المؤسسي؟ وما هو تقييم الاقتصاد السوري بعد عام على سوريا ما بعد الأسد؟

مراسيم جمهورية

أصدر الرئيس أحمد الشرع خلال العام الجاري سلسلة من القرارات الاقتصادية، كان أبرزها تشكيل "اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير"، التي تُعد الجهة المسؤولة عن إقرار السماح أو المنع للسلع المستوردة والمصدّرة. وبحسب المرسوم، تتبع اللجنة للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية التي يرأسها الدكتور ماهر الشرع. كما يرأس اللجنة مدير الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، وهي هيئة أحدثها رئيس الجمهورية، وتتولى إدارة جميع المنافذ الحدودية والبحرية والجمارك، وترتبط بدورها مباشرة برئاسة الجمهورية.

كما أُحدث "الصندوق السيادي"، الذي يهدف – وفق المرسوم – إلى تنفيذ مشاريع تنموية وإنتاجية، والاستثمار الأمثل للموارد البشرية والمادية والخبرات الفنية، وتنشيط الاقتصاد عبر استثمارات متنوعة ومدروسة، وتحويل الأصول الحكومية غير المفعّلة إلى أدوات إنتاج وتنمية. ويرتبط الصندوق أيضًا برئاسة الجمهورية.

مع سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، تبرز اليوم، بعد مرور عام على المرحلة الجديدة في سوريا، أسئلة جوهرية حول طبيعة التحوّل الاقتصادي

وفي سياق مشابه، أُحدث "صندوق التنمية"، الذي يتبع كذلك لرئاسة الجمهورية، ويهدف إلى المساهمة في عملية إعادة الإعمار وتمويل مشاريع متعددة عبر القرض الحسن.

هياكل اقتصادية ناشئة وضعيفة

في هذا الإطار، قال الباحث الاقتصادي محمد علبي إن متابعة المشهد الاقتصادي تُظهر أن الإدارة الحالية للاقتصاد "لا تُدار عبر المؤسسات الرسمية، بقدر ما تُدار عبر شبكة ضيقة من مراكز القوة التي تشكّلت حول الرئاسة". وأضاف أن الحكومة والوزارات "ليست صاحبة القرار الاقتصادي الفعلي، بل مجرد أدوات تنفيذية"، وأنها "لا تشارك بصورة حقيقية في صياغة السياسات أو التخطيط الاستراتيجي".

وأشار علبي إلى أن القرار الحقيقي – وفق تقديره – "يصدر من دائرة مغلقة يقودها أشقاء الرئيس، ماهر وحازم، إضافة إلى مجموعة من الإداريين السابقين في هيئة تحرير الشام". وأوضح أن هذه الدائرة الضيقة "أنتجت رجال أعمال جددًا تحولوا إلى أدوات تنفيذية لإعادة هيكلة السوق، وتوجيه الاستثمارات، وإدارة ملفات التسويات مع رؤوس الأموال القديمة"، معتبرًا أن هذه الشبكة "تعمل خارج الأطر المؤسسية التقليدية" وتمسك بالملفات الكبرى من إدارة الموارد إلى التحكم بالمعابر والعقود الاستراتيجية.

من جهته، قال الباحث الاقتصادي في شركة "كرم شعار للاستشارات"، ملهم الجزماتي، ردًا على سؤال حول آلية إدارة الاقتصاد السوري حاليًا، إن التجربة العملية خلال العام الأول "تشير إلى وضع انتقالي معقّد يصعب تصنيفه بوضوح". وأوضح أن الحكومة "بدأت بتأسيس هياكل اقتصادية جديدة مثل صندوق التنمية والصندوق السيادي والمجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية"، إلا أن هذه الهياكل "ما تزال ضعيفة القدرات وتفتقر إلى البنية اللازمة لتحويلها إلى مؤسسات حقيقية قادرة على صياغة القرار الاقتصادي وتنفيذه".

وأضاف الجزماتي أن هذه الهياكل "مرتبطة مباشرة بالرئاسة دون وجود هيئة رقابية عليها"، مشيرًا إلى أن الملفات الاستراتيجية، ولا سيما الاستثمار والطاقة، "ما تزال تُدار عمليًا عبر قنوات محدودة داخل الدائرة القريبة من الرئاسة، في مزيج يجمع بين محاولة بناء مؤسسات جديدة واستمرار مركزية القرار بيد عدد محدود من الأفراد".

وبيّن أن هذا التداخل بين المؤسسية الناشئة والقرار الفردي "يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها البلاد"، حيث تتشكّل المؤسسات تدريجيًا، فيما يفتح "غياب جهاز إداري متمرس وافتقار الوزارات للأدوات التنفيذية" المجال أمام تدخلات فردية لتعويض هشاشة البنية المؤسسية. ومع ذلك، يؤكد الجزماتي أن ملامح التحول بدأت بالظهور من خلال "ازدياد الاهتمام بوضع قواعد أكثر انتظامًا لإدارة الاقتصاد، وإن بقي أثر هذا التحول محدودًا في المدى القصير".

مخاطر اقتصاد الأفراد

رأى علبي أن استمرار إدارة الاقتصاد عبر أشخاص أو شبكات نفوذ تحمل مخاطر بنيوية، أهمها غياب القدرة على التنبؤ، معتبرًا أن المستثمر – سواء كان محليًا أو أجنبيًا – "يحتاج قواعد واضحة، لا قرارات تتغير بتغير مزاج أصحاب النفوذ أو نتيجة صراعات داخلية". وأضاف أن اقتصاد الامتيازات والاحتكار "يتعزز عندما يصبح القرب من مركز القوة أهم من الكفاءة أو القدرة الإنتاجية"، وهو ما يحدّ من تشكّل قطاع خاص حقيقي، ويُبقي البلاد "عالقة في اقتصاد ريعي في وقت تحتاج فيه إلى إعادة بناء قدراتها الإنتاجية".

وأشار إلى أن غياب المؤسسات الفعالة يقلل من الشفافية، ويجعل سوريا "أقل قدرة على الاندماج في النظام المالي العالمي"، لأن الشركاء الدوليين "لا يتعاملون بسهولة مع بيئة تتحكم بها شبكات غير خاضعة للمساءلة"، بحسب تعبيره.

وختم علبي مشيرًا إلى أن الاقتصاد السوري اليوم "يُدار من خارج البنية المؤسسية"، وأن الوزارات والمصرف المركزي "لا يشكّلون مراكز صنع قرار أو تخطيط استراتيجي"، بل "أدوات تنفيذية لتوجهات تُقرر في دوائر صغيرة محيطة بالرئاسة". ومع استمرار الانقسام بين ثلاث منظومات اقتصادية مستقلة، يرى أن المشهد "يبقى بعيدًا عن نموذج الدولة الموحدة"، وهو ما يجعل "أي خطوة إصلاحية قابلة للانهيار" ويُبقي الاقتصاد "رهينة لأشخاص لا لقواعد مؤسسية قادرة على الصمود أو التطور".

تقييم الاقتصاد بعد عام

أما في تقييمه للاقتصاد بعد مرور عام على سقوط النظام، قال الجزماتي إن الصورة الحالية يمكن وصفها بأنها "حركة من دون تقدم فعلي". وأوضح أن اقتصاد ما بعد الحرب "بدأ يستقر شكليًا"، لكن هذا الاستقرار "لم يترافق مع نمو إنتاجي أو توسع في النشاط الحقيقي". وأشار إلى أن تحسن سعر الصرف نسبيًا "لا يعكس قوة اقتصادية، بل يعكس شحًا في السيولة داخل السوق"، ما خفّض الطلب على الدولار بطريقة "لا تعبّر عن قدرة إنتاجية أو تجارية متصاعدة".

وفي السياق نفسه، قال إن غياب نشاط مصرفي فعّال وعدم القدرة على تأمين تمويل للقطاع الخاص "أبقيا الحركة الاقتصادية محدودة ومترددة". وأضاف أن الهشاشة تتفاقم مع "المسار الجديد الذي بدأت الحكومة تنتهجه في ملف الطاقة"، حيث يتراجع الدعم الحكومي للكهرباء تدريجيًا، في خطوة يراها الجزماتي "انتقالًا محسوبًا نحو نموذج اقتصادي أقرب إلى اقتصاد السوق وأبعد عن الحمائية التقليدية".

وفيما يتعلق بالوعود الاستثمارية التي رافقت الأشهر الأولى، اعتبر أنها "بقيت في إطار مذكرات تفاهم لم تتحول إلى مشاريع منفذة"، مشيرًا إلى أن البيئة الاقتصادية "ما تزال غير جاهزة لاستقبال استثمارات ضخمة"، ليس لغياب الإرادة السياسية، بل لغياب "البنية المؤسسية والإدارية القادرة على ترجمة الوعود إلى وقائع اقتصادية".

ومن جانبه، رأى الخبير الاقتصادي، عامر شهدا، أن تقييم الاقتصاد السوري "يعتمد بالأساس على ميزان المدفوعات والميزان التجاري، إضافة إلى عجز الموازنة ومسألة إزالة التشابكات المالية بين مؤسسات الدولة". وأضاف: "لا يهمني اليوم أن أرى سيارات جديدة ولا زيادة في الاستيراد في ظل عجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات"، معتبرًا أن النظرة السريعة إلى الميزانين، مع نظرة موازية إلى الوضع المعيشي للمواطن "هي الأساس الحقيقي للتقييم".

وتابع أن المشاريع التي جرى الترويج لها على أنها اقتصادية "هي في الواقع مشاريع سياسية"، مشيرًا إلى أن صندوق النقد الدولي تحدث عن نمو بنسبة 1%، لكنه وصف التقدير بأنه "غير صحيح ومتناقض مع التقرير السابق"، وأنه يأتي ضمن "إطار دبلوماسي بروتوكولي". وأكد أن التعافي الاقتصادي "له مقومات ومؤشرات لم تظهر حتى الآن"، مشيرًا إلى أن المؤسسات الحكومية "تتحدث فقط عن التكاليف دون الموارد"، وأن التقارير الجمركية "تذكر الأوزان فقط دون الإيـرادات"، معتبرًا أن هذا كله "يصُب في خانة غياب الشفافية" ويمنع بناء تقييم اقتصادي دقيق.

الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث

الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة


المناهج الدراسية

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك


زلزال شباط

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية

تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث


احتجاجات المعلمين

وصفت بأنها "إعادة قسرية".. احتجاجات تربوية في اللاذقية رفضًا لآلية تجديد العقود

شارك في احتجاجات اللاذقية مئات المعلمين والمعلمات مطالبين بإلغاء القرار الوزاري الذي يمهد لإنهاء خدماتهم بشكل غير مباشر

المناهج الدراسية
مجتمع واقتصاد

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي

لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

عين الخضرا
أخبار

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها

تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي


وزارة الخارجية الهولندية
أخبار

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025

خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

عبد الله الخضر
أخبار

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين

أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي

الأكثر قراءة

1
أخبار

على خلفية الاحتجاجات.. نقابة المعلمين تدعو لإنهاء إجراءات الفصل وتحسين الأوضاع


2
أخبار

وزارة الصحة تلزم الأطباء بالعودة إلى محافظات عملهم في مناطق الجزيرة خلال 10 أيام


3
أخبار

"الحرس الوطني" في السويداء يفرض حظرًا على النشر الإعلامي حول العمليات العسكرية


4
أخبار

مشتبه به من الأمن الداخلي.. مقتل أربعة أشخاص وإصابة خامس بإطلاق نار في ريف السويداء


5
أخبار

السيول تغرق عشرات المخيمات وتضرر مئات العائلات في ريفي إدلب واللاذقية


advert