من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
14 فبراير 2026
في خطوة وصفت بـ"التاريخية"، وقعت الشركة السورية للبترول، في الـ4 من شباط/فبراير الجاري، مذكرة تفاهم مع شركتي "شيفرون" الأميركية و"باور إنترناشونال القابضة" القطرية، للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، بحضور عدد من المسؤولين السوريين رفيعي المستوى، إلى جانب السفير القطري في دمشق، والمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك.
تفتح هذه المذكرة، التي تُعتبر الأولى من نوعها في مجال الاستكشاف البحري في شرق المتوسط، أبوابًا جديدة أمام قطاع الطاقة السوري الذي عانى من آثار الحرب الأهلية والعقوبات الدولية لسنوات طويلة.
ويعاني قطاع الطاقة السوري من تراجع حاد منذ اندلاع النزاع في عام 2011. أما قبل الحرب، فكانت سوريا تنتج حوالي 385 ألف برميل نفط يوميًا، لكن الإنتاج انخفض إلى أقل من 80 ألف برميل بحلول عام 2025، بسبب سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) على الحقول الرئيسية في الشرق، بالإضافة إلى تدمير البنية التحتية والعقوبات الأميركية والأوروبية التي حدّت من الاستثمارات الأجنبية.
يشير الخبير الاقتصادي علي شعلة لموقع "الترا سوريا" إلى أن احتياطيات الغاز الطبيعي، التي تُقدّر بحوالي 8.5 تريليون قدم مكعب، لم تُستغل بشكل كامل، مما جعل سوريا تعتمد على الواردات لتلبية احتياجاتها الطاقية.
ويضيف: "في هذا السياق، تأتي مذكرة التفاهم كمحاولة لإعادة إحياء القطاع من خلال الاستكشاف البحري، الذي يمتد على خمس كتل استكشافية قبالة سواحل طرطوس واللاذقية، ويُتوقع أن يحمل آفاقًا واعدة للاكتشافات الجديدة، خاصة مع نجاح الدول المجاورة مثل إسرائيل وقبرص ولبنان في استغلال احتياطيات شرق المتوسط".
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن تكون هذه المذكرة محركًا قويًا للتعافي، إذ تهدف إلى تقييم فرص التنقيب وتطوير الحقول البحرية، مع التركيز على تدريب الكوادر السورية ونقل التكنولوجيا. ووفقًا لتصريحات يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، فإن الدراسات الفنية ستبدأ خلال شهرين، بينما قد يستغرق التنفيذ الكامل أربع سنوات.
وإذا نجحت، يمكن أن تضيف اكتشافات جديدة إلى الإنتاج السوري، مما يقلل من الاعتماد على الواردات ويزيد من الإيرادات الحكومية، التي كانت تعتمد قبل الحرب على النفط بنسبة تصل إلى 20%. كما أنها ستجذب استثمارات أجنبية، خاصة بعد تخفيف العقوبات الأميركية مؤخرًا، مما يفتح الباب أمام شركات أخرى للدخول إلى السوق السورية في المنطقة.
يرى الباحث السياسي عبد الله الخير أن المذكرة تحمل دلالات عميقة، ويقول: "إن مشاركة شركة أميركية مثل شيفرون، التي تُعد واحدة من أكبر شركات الطاقة عالميًا، تشير إلى تحول في السياسة الأميركية تجاه سوريا، خاصة بعد رفع بعض العقوبات في أعقاب اتفاقات السلام الإقليمية".
ويضيف: "كما أن الشراكة مع شركة قطرية تعكس دور قطر كوسيط في المنطقة، حيث ساهمت في إعادة بناء العلاقات السورية مع الدول العربية. هذا الاتفاق يعزز موقع سوريا في معادلة الغاز بشرق المتوسط، الذي أصبح ساحة تنافس دولي بين تركيا وقبرص واليونان ومصر".
ويعتبر أن من خلال هذه الشراكة يمكن لسوريا كسب نفوذ جيوسياسي، خاصة إذا أدت إلى اتفاقات حدود بحرية مع الدول المجاورة، مما يقلل من التوترات الإقليمية. ومع ذلك، يثير الاتفاق مخاوف بشأن السيادة، حيث قد يرى البعض فيه تدخلًا أجنبيًا في موارد البلاد.
قال ممثل عن وزارة الاقتصاد السورية لموقع "الترا سوريا": "هذه المذكرة ليست مجرد اتفاق تجاري، بل هي خطوة استراتيجية لإعادة دمج سوريا في الاقتصاد العالمي. نتوقع أن تساهم في خلق آلاف الوظائف وتعزيز الاستقرار المالي، مما يساعد في إعادة الإعمار بعد سنوات الحرب".
وأضاف: "نحن أمام فرصة تاريخية لتطوير قطاع الطاقة البحري، الذي سيعزز الاقتصاد الوطني ويفتح آفاقًا جديدة للشراكات الدولية. الدراسات الأولية تشير إلى إمكانيات هائلة، وسندخل مرحلة التنفيذ قريبًا".
ومن جانبه، علّق الخبير الاقتصادي أحمد الجابري لموقع "الترا سوريا" قائلًا: "رغم الإيجابيات، يجب الحذر من التحديات. الاستكشاف البحري مكلف ويحتاج إلى استقرار سياسي، كما أن النزاعات الحدودية مع لبنان قد تعيق التقدم. لكن إذا نجحت، ستكون هذه المذكرة نقطة تحول في تعافي الاقتصاد السوري".
ويوضح الجابري أن على المستوى الاقتصادي قد يؤدي انخفاض أسعار النفط العالمية إلى تأخير العائدات، بينما يتطلب التنفيذ استثمارات هائلة تصل إلى مليارات الدولارات. سياسيًا، قد تثير الشراكة مع أميركا توترات مع دول مثل روسيا، كما أن المخاطر البيئية، مثل التلوث البحري، والنزاعات الحدودية مع إسرائيل ولبنان، قد تعرقل التقدم. في عام 2013، فشل اتفاق مشابه مع شركة روسية بسبب الحرب، مما يذكرنا بأهمية الاستقرار.
وختامًا، تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة. إذا تم تنفيذها بنجاح، يمكن أن تحول سوريا إلى لاعب رئيسي في سوق الغاز بشرق المتوسط، مما يعزز الاقتصاد ويسهم في السلام الإقليمي. ومع ذلك، يعتمد النجاح على تجاوز التحديات الداخلية والخارجية. في النهاية، تشير هذه الخطوة إلى أن سوريا تتجه نحو مرحلة جديدة من التعافي، لكن الطريق لا يزال طويلًا.
الكلمات المفتاحية
كفرنبودة بعد الحرب: عودة بطيئة وسط الركام وارتفاع تكاليف الحياة
تعاني بلدة كفرنبودة بريف حماة الشمالي من غلاء الأسعار وغياب الخدمات والركام، ما فاقم من العائدين بعد سنوات من النزوح على أمل استعادة حياتهم الطبيعية
موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان
لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة
إدلب تستقبل العائدين من الخارج.. أزمات السكن والعمل والخدمات تعيد طرح سؤال الاستقرار
لم تعد صدمة السوريين المغتربين والعائدين إلى إدلب وريفها حالة فردية أو مؤقتة، بل تحوّلت إلى ظاهرة اجتماعية متنامية تحمل مخاطر نفسية واجتماعية طويلة الأمد
سيدات الهلال في صدارة ذهاب دوري كرة القدم.. وحادثة ميدانية تعيد الجدل حول السلامة الطبية
حسمت سيدات الهلال صدارة ذهاب دوري كرة القدم بعد فوزهن على محافظة حمص، فيما كشفت حادثة طبية عن إهمال تنظيمي رافق المباراة
في ختام ذهاب سلة المحترفين.. الوحدة يتجاوز الحرية والنواعير يتربع على الصدارة
اختتمت مرحلة الذهاب من دوري سلة المحترفين بفوز الوحدة على الحرية، فيما حافظ النواعير على صدارة الترتيب العام
هيئة المفقودين: العثور على موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية
أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين عن استجابتها لبلاغ حول موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في ريف اللاذقية
موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان
لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة