ultracheck
مجتمع واقتصاد

من الخوف إلى الاعتياد.. كيف كرّست سنوات التهجير ثقافة "حياة المخيم" في الشمال؟

27 نوفمبر 2025
حياة المخيم
يتواصل النزوح في شمال غربي سوريا رغم سقوط النظام (رويترز/الترا سوريا)
محمد موسى ديب
محمد موسى ديبكاتب صحافي سوري

رغم مرور عام تقريبًا على سقوط نظام الأسد، ما تزال كارثة العصر "الخيام" شمال غربي سوريا قائمة على هامش الأولويات بين نقص الخدمات أو زوالها، ودمار منازل الأهالي في الموطن الأساسي، فاتورة باهظة الثمن ما زال يدفعها سكان المخيمات الذين ذاقوا من ويلات نقص الدعم الخدمي والإنساني وانتشار القمامة وغيرها. وبينما تعاني بلداتهم وقراهم في ريف إدلب الجنوبي وحماة الشمالي من دمار شامل للبنية التحتية والمنازل وخروج مئات الهكتارات الزراعية عن الخدمة، نتيجة ما فعله نظام الأسد البائد بهذه المناطق؛ ومع دخول فصل الشتاء الذي بدأ يقرعُ أبواب الخيام القماشية، يخشى أهالي هذه المخيمات من كوارثٍ ومأساة جديدة بسبب تلف أقمشة الخيام التي من المفترض أن تستبدل سنويًا، وسط تقديرات بنقص الخدمات في مخيمات شمال غربي سوريا حتى 80% بحسب ناشطين محليين في المنطقة.

ويبقى السؤال الأهم: لماذا ما زال السوري، بعد عام على سقوط النظام البائد، يدفع ثمن الحرب وكأنها لم تنتهِ بعد؟

غياب شبه تام للمشاريع الشاملة

حتى هذه اللحظة، لم تُسجّل في المنطقة الواقعة بين ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي أي مشاريع جديدة تحمل في جوهرها إعادة الناس إلى بيوتهم المدمرة من خلال إعادة الإعمار، فالكثير من المدن والبلدات التي كانت مكتظة بالسكان قبل عام 2019، لا تزال إلى الآن شبه خاوية من الأهالي والخدمات، فلا أعمدة للكهرباء ولا مدارس مهيئة لعودة تلاميذها وطلابها، ولا طبابة ولا مراكز صحيّة ولا أفران، وإن وجدت هذه الخدمات فبشكل خجول جدًا لا تسد الرمق.

يقول رئيس المجلس المحلي في مدينة معرّة النعمان جنوبي إدلب، حسّام البش، في حديث لموقع "الترا سوريا": "بالنسبة للإعمار، لا توجد حاليًا في كل سوريا مشاريع شاملة بالمعنى الكامل، لكن هناك أمل". وأضاف: "بعض المنظمات الإنسانية تعمل على ترميمات طفيفة، كما تقوم بعض العائلات بترميم منازلها المدمّرة جزئيًا، التنسيق جارٍ على أكمل وجه بين المنظمات الفاعلة والحكومة المحلية لإعادة الخدمات الأساسية".

وأشار إلى عودة المحكمة والدائرة العقارية والنفوس إلى العمل، كما يوجد مركز صحي، والمستشفى الوطني قيد الترميم. ولفت إلى بدء مشاريع إعادة تأهيل الاتصالات والمالية والمياه، إذ تعمل "يونيسف" على ترميم آبار بسيدا جنوبي إدلب، بينما ينفذ الهلال الأحمر العربي السوري ومنظمة "سيريا ريليف" مشروع مياه عين الزرقا، أما مشروع الصرف الصحي فسينطلق قريبًا.

وبحسب البش، فإن المستقبل جيد، والعام القادم يحمل الكثير من المشاريع المطمئنة للأهالي، مضيفًا "نحن ندعوهم للعودة، فالحياة في المخيمات صعبة، وأي خطوة نحو الإعمار مهما كانت بسيطة ستُحدث فرقًا، فالوطن يُبنى بسواعد أبنائه".

بين تحسّن واضح في حياة الأهالي في موطنهم الأصلي جنوبي إدلب، بعد عودة للخدمات لو بشكل جزئي، والدمار الشامل للمنازل، تبقى آمال الأهالي القاطنين في الخيام حتى اللحظة معلّقة بين الصبر على كوارث المخيمات والقمامة وغيرها، وانتظار إعادة إعمار منازلهم التي لم يستطيعوا ترميمها لو بشكل جزئي.

واستطلع "الترا سوريا" آراء عشرات الأهالي العائدين حديثًا إلى مدينة معرة النعمان وريفها الشرقي، حيث أكدوا أن حياة الخيام باتت محفوفة بالمخاطر البيئية وقلّة الدعم وارتفاع البطالة وغلاء المواد الأولية وماء الشرب، ما جعل حل الترميم الجزئي من خلال بناء خيمة المخيم فوق أنقاض المنزل حلًا بديلًا يعد أقل خطورة وأقل تكلفة، في محاولة من الأهالي استصلاح أراضيهم والعمل بها أو العمل بالأعمال الحرة.

يشير هائل الجاسم، وهو ناشط مدني وعامل في المنظمات الإنسانية، في حديثه لـ"الترا سوريا" إلى أنه لم يبق في المخيمات اليوم سوى من لا يملكون مكانًا يعودون إليه، بينما عاد قرابة 50% من الأهالي إلى بلداتهم المدمّرة جزئيًا.

ومع ذلك، تحوّلت المخيمات إلى بيئة خانقة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، فالنظافة معدومة تمامًا، وأصبحت مشاهد القمامة بين الخيام مألوفة بعد غياب خدمة نقلها إلى المكبات منذ مغادرة المنظمات للمنطقة، والمياه والمساعدات مقطوعة منذ بداية عام 2025 تقريبًا.

ويضيف الجاسم أن الأسعار المرتفعة وغياب فرص العمل زادت من صعوبة المعيشة، موضحًا أن "الكثير من العائلات ترغب بالعودة لكنها لا تملك حتى تكلفة نقل أثاث خيمتها من الشمال إلى بلدها المنكوبة، فما بالك بإعادة بناء منزلها".

معاناة نفسية بعد سنوات من التهجير

تسبّبت سنوات التهجير والانتظار الطويل في ترسيخ معاناة نفسية عميقة لدى سكان المخيمات، حتى بات كثيرون يعيشون حالة من الارتباط القسري بالخيمة كمنطقة أمان نفسية رغم قسوتها. ومع مرور عام على سقوط النظام، لم تنتهِ الحرب داخل الإنسان، إذ ظلّ الخوف والقلق من المجهول يعيقان القدرة على التكيّف أو اتخاذ قرار العودة. هذه الصدمة الممتدة جعلت الخروج من المخيم يبدو، في وعي بعض الأهالي، مغامرة جديدة لا يملكون طاقتها بعد.

تؤكد الباحثة المجتمعية والنفسية، سكينة الحسن، في حديثها لـ"الترا سوريا" أنه يمكن تفسير استمرار آلاف العائلات في المخيمات رغم زوال المبرر السياسي للنزوح بمجموعة من العوامل المتداخلة.

وترى أن على المستوى الاقتصادي، فقدت كثير من العائلات منازلها ومصادر رزقها واستقرارها المادي، فصار المخيم رغم قساوته المكان الوحيد الذي يوفر الحد الأدنى من المأوى والمساعدات. أما على المستوى الأمني، لا تزال مناطق العودة غير آمنة بالكامل، ما يجعل العودة مخاطرة غير محسوبة. وفي المقابل، على المستوى الاجتماعي، نشأت داخل المخيمات شبكات دعم وعلاقات جديدة جعلتها كأنها قرى بديلة.

أما نفسيًا، فالتعلق بالمكان المألوف رغم قسوته والخوف من المجهول وغياب الثقة بالواقع الخارجي، جعل الخروج من المخيم أشبه بمغامرة. وتضيف الحسن "يمكن القول إن ثقافة المخيم تحوّلت إلى نمط حياة، فبعد سنوات طويلة من التهجير، ظهرت أنماط تكيّف ونُظُم تضامن وأعراف اجتماعية جديدة"، لافتةً إلى أن "هذه الثقافة تحمل وجهين: أحدهما إيجابي من حيث الصمود، والآخر سلبي لأنها تطبّع مع اللجوء وتضعف الحلم بالعودة".

وتختتم حديثها بالقول "إنّ غياب الثقة بالمستقبل هو العامل الأعمق في تثبيت هذا الواقع، حين يفقد الإنسان يقينه بوجود وطنٍ آمنٍ وعادلٍ يمكن العودة إليه، يفضّل استقرار المعاناة المألوفة على مغامرة المجهول".

إن استعادة الأمل تبدأ من بناء هذه الثقة، من ضمان الأمن والعدالة ومشاريع الإعمار الجادّة، ومن برامج الدعم النفسي التي تعيد للناس إيمانهم بأن هناك وطنًا ينتظرهم. وبين الخيمة والمنزل المهدّم، يعيش السوري اليوم في مساحة رمادية بين الخوف والأمل، كأن الحرب لم تغادر قلبه بعد، ومع غياب الإعمار وضعف الثقة بالمستقبل، يبقى الطريق إلى العودة مرهونًا بإرادة تُعيد بناء الإنسان قبل الحجر.

الكلمات المفتاحية

العملة الجديدة

العملة الجديدة: خطوة نحو الاستقرار أم مصدر جديد للمخاوف؟

العملة التي يُفترض أن تكون أداة استقرار وثقة، تحوّلت في وجدان السوريين إلى مصدر هواجس مشروعة، تتراوح بين الخوف والشك


شركة شيفرون

"شيفرون" ومنطقة الساحل.. الطاقة بوصفها مدخلًا لإعادة التموضع الدولي

يستعرض التقرير أبعاد دخول "شيفرون" إلى منطقة الساحل اقتصاديًا وسياسيًا، ودلالاته على الطاقة والاستقرار الإقليمي مستقبلًا المحتمل القادم


السوق السوداء للمحروقات

السوق السوداء للمحروقات.. اقتصاد ظلّ يستنزف خزينة الدولة ويثقل كاهل السوريين

يرصد التقرير انتشار تجارة المحروقات في السوق السوداء بعد سقوط النظام وتأثيرها المباشر في خزينة الدولة وجيوب السوريين


محال دير الزور

أسواق دير الزور بلا ضوابط: فوضى الإيجارات تلاحق التجار وتثقل كاهل المواطنين

تُظهر ارتفاعات إيجارات المحال في دير الزور عمق الأزمة الاقتصادية وتدفع التجار والمواطنين لدفع كلفة مضاعفة يوميًا

تعزيزات
أخبار

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد

لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تعزيزات
أخبار

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن

أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية


سوريا الأولمبي
منوعات

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا

ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

استنفار
قول

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية

تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة

الأكثر قراءة

1
أخبار

مظلوم عبدي يصل إلى دمشق للقاء الشرع وسط تصاعد المواجهات غرب الفرات وشرقه


2
أخبار

وسط تصاعد رقعة الاشتباكات بين الجيش و"قسد".. الإدارة الذاتية تدعو إلى النفير العام


3
أخبار

الجيش يسيطر على الطبقة ويتقدّم نحو الرقة وسط تصاعد الاشتباكات في دير الزور


4
أخبار

الرقة ودير الزور: تطورات ميدانية متسارعة وتغيّر في خرائط السيطرة


5
أخبار

السلطات الألمانية توقف شابين "مُتطرفين" قبل سفرهما إلى سوريا


advert