ultracheck
مجتمع واقتصاد

من حلب إلى الحسكة.. أهالي عفرين يكسرون قيد سنوات النزوح

17 يوليو 2026
نازحو عفرين
أهالي عفرين يكسرون قيد سنوات النزوح (سانا/الترا سوريا)
هيلين علي
هيلين علي صحافية سورية

بعد ثماني سنوات من التيه بين مخيمات النزوح وخطوط النار، بدأت مئات العائلات رحلة العودة إلى ديارها في منطقة عفرين. هذه العودة لا تمثل مجرد نهاية لنزوح طال أمده، بل محاولة للنجاة من "دوامة تهجير" لم تتوقف، كان آخر فصولها مأساويًا وممتدًا، جسد رحلة "التيه الثالثة" التي بدأت من حلب ثم الشيخ مقصود، وتفاقمت في شرق سوريا، لتنتهي بمراكز الإيواء في الحسكة، أقصى شمال شرقي البلاد.

متاهة النزوح المتعدد: من حلب والشيخ مقصود إلى الحسكة

لم تكن رحلة العودة إلى عفرين مسارًا خطيًا، بل كانت محاولة لفك عقدة "النزوح المركب" الذي طارد العائلات في محطات عدة. فبالتزامن مع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، أدت العمليات العسكرية بين فصائل المعارضة و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في محافظة حلب إلى موجة نزوح لسكان المخيمات، الذين فروا باتجاه مناطق شرق الفرات في الطبقة والرقة.

تعود جذور رحلة النزوح التي يعيشها أبناء عفرين اليوم إلى عام 2018، حين شهدت المنطقة عملية عسكرية واسعة أدت إلى خروج أعداد كبيرة من السكان من قراهم وبلداتهم، والانتقال إلى مناطق أخرى، من بينها حلب. ومنذ ذلك الوقت، لم تكن رحلة النازحين مستقرة، إذ تنقلوا بين مناطق مختلفة بفعل تطورات الصراع، قبل أن يصل بعضهم لاحقًا إلى مراكز إيواء في مناطق شمال شرقي سوريا.

نزحنا من عفرين في 2018، ثم هربنا من حلب تحت القصف قبل عام، وفي بداية العام الجاري لحق بنا الموت إلى الطبقة حتى وصلنا إلى الحسكة

وتجددت فصول المأساة مرة أخرى بعد مرور عام على سقوط النظام؛ ففي مطلع عام 2026، وإثر توترات حادة بين الحكومة السورية وقوات "قسد"، انفجر الموقف عسكريًا داخل مدينة حلب، وتحديدًا في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية.

هذا التصعيد دفع بعشرات الآلاف من سكان الحيين إلى النزوح القسري. ومع امتداد رقعة الصراع لتشمل مراكز استقرارهم في الطبقة بشرق الفرات، اضطر الجميع قبل نحو ثلاثة أشهر لخوض نزوح جديد وشاق، انتهى بهم في مراكز الإيواء بمحافظة الحسكة، لتصبح العودة اليوم هي الملاذ الأخير لإنهاء دوامة الارتحال القسري.

في طوابير العودة، يقول أبو جوان (54 عامًا)، بنبرة مثقلة بالتجارب: "نزحنا من عفرين في 2018، ثم هربنا من حلب تحت القصف قبل عام، وفي بداية العام الجاري لحق بنا الموت إلى الطبقة حتى وصلنا إلى الحسكة. نحن لسنا مجرد نازحين، نحن ضحايا جغرافيا لا تهدأ. اليوم نعود لا لأن الطريق آمن، بل لأننا تعبنا من كوننا مجرد أرقام في سجلات المنظمات. العودة إلى الزيتون هي عودة للروح".

وتضيف سلمى شيخو (40 عامًا)، التي نزحت من حي الأشرفية بحلب، لـ"الترا سوريا": "تقاسمنا مع أهلنا من عفرين رغيف الخبز ومرارة الطريق منذ نزوحنا الأخير قبل ثلاثة أشهر. نودعهم اليوم وهم يقتفون أثر بيوتهم، بينما تظل أعيننا معلقة بحلب، ننتظر يومًا نكسر فيه نحن أيضًا قيد المنافي".

معضلة "حق الملكية" واستعادة الهوية

تبرز قضية "الملكية العقارية" كأكبر تحدٍ أمني وقانوني يواجه هؤلاء "النازحين العائدين". فخلال سنوات غيابهم، تحولت منازلهم إلى مقار عسكرية أو سكن لعائلات نازحة أخرى، ما يضع ملف "استعادة الملكيات" في مواجهة مباشرة مع الحكومة السورية.

ويشير المحامي عبد المنان حامد لـ"الترا سوريا" إلى أن "النازح الذي فقد أوراقه الثبوتية خلال رحلات النزوح الثلاث (من حلب ثم الطبقة ثم الحسكة) سيواجه صعوبة بالغة في إثبات حقه، ما يستوجب وجود ضمانات دولية وآليات قانونية تحمي العائدين من التوقيف أو سلب ممتلكاتهم مجددُا".

اقتصاد "الزيتون"

بينما يتجه العائدون نحو "جبال الزيتون"، يصطدمون بواقع اقتصادي أكثر قسوة من ذاكرة النزوح نفسها؛ فالأراضي التي كانت تشكّل العمود الفقري لاقتصاد عفرين لم تعد كما تركها أصحابها. مئات آلاف الأشجار التي كانت تؤمّن موردًا مستقرًا لآلاف العائلات، تعرّضت لسنوات من الاستغلال، في ظل غياب أصحابها وتعدّد الجهات المسيطرة.

هل سنعود لنجد زيتوننا قائمًا؟ أم سنجد أنفسنا غرباء في أرضنا بلا مصدر رزق؟

المزارع "كاوا رشو"، الذي حُرم من موسمه لسنوات، يلخّص هذا القلق بقوله: "هل سنعود لنجد زيتوننا قائمًا؟ أم سنجد أنفسنا غرباء في أرضنا بلا مصدر رزق؟".

هذا السؤال لا يعبّر عن مخاوف فردية فحسب، بل يعكس معضلة جماعية تواجه العائدين: كيف يمكن استعادة دورة الإنتاج في بيئة تآكلت فيها ملكية الأرض، وتضررت أدوات العمل، وتحول فيها الزيتون – الذي كان رمزًا للاستقرار – إلى مورد خاضع للسيطرة والاقتطاع؟

وفي ظل غياب آليات واضحة لإعادة الحقوق أو تعويض المتضررين، يجد كثير من العائدين أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما محاولة استعادة أراضٍ قد تكون خاضعة لسيطرة أطراف أخرى، أو البدء من الصفر في اقتصاد منهك لا يوفر الحد الأدنى من الأمان المعيشي. هكذا، لا تبدو العودة مجرد انتقال جغرافي، بل دخولًا في معركة جديدة لاستعادة سبل العيش، حيث يصبح "الزيتون"، الذي كان يومًا مصدر حياة، اختبارًا قاسيًا لإمكانية البقاء.

أقرأ/ي أيضًا: التسمم المعوي في مصياف.. شهادات الأهالي والمعطيات الطبية تثير تساؤلات حول مصدر العدوى

أقرأ/ي أيضًا: سحب الليرة التركية من شمال سوريا.. اختبار استعادة السيادة النقدية وتوحيد السوق المالية

الكلمات المفتاحية

النفط العراقي

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الهلال الأحمر

أزمة تعصف بفرع الهلال الأحمر في الرقة.. استقالة جماعية واتهامات بـ"شراء الصمت"

يواجه فرع الهلال الأحمر العربي السوري في محافظة الرقة أزمة إدارية حادة، تم على إثرها تقديم كتاب استقالة جماعية صادر عن أعضاء مجلس إدارة فرع المنظمة في المحافظة


مشفى دمشق

اعتصام لأطباء مشفى دمشق.. تسليط الضوء على ظروف تهدد سلامة المريض والطبيب على حد سواء

شهدت الساحة الداخلية لمشفى دمشق تجمع عشرات الأطباء المقيمين ومتدربي الاختصاص في الأقسام الطبية المختلفة، في وقفة احتجاجية واعتصام


استبدال العملة

سحب الليرة القديمة ينعش سوق الوسطاء والمضاربين ويهدد الثقة بالعملة الجديدة

رغم إجراءات مصرف سوريا المركزي، ظهرت سوق موازية نشطة للابتزاز والمضاربة. لم تعد المحال التجارية تقبل العملة القديمة بسهولة، وتحولت الأوراق النقدية إلى سلعة يتاجر بها الوسطاء

حسام لوقا
عدالة انتقالية

"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا

انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا

النفط العراقي
مجتمع واقتصاد

زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ

يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم


الأمن الداخلي
أخبار

الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق

ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت

العنف الأسري
عدالة انتقالية

نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟

يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره

الأكثر قراءة

1
أخبار

قتيلان و17 مصابًا.. خلاف عائلي يتحول إلى اشتباك مسلح في حمص


2
أخبار

بعد موجة من الجدل والانتقادات.. مديرية الآثار توضح حقيقة ما يجري في مهرجان "صيف دمشق"


3
أخبار

هيئة العدالة الانتقالية تدعو لتوثيق الانتهاكات المرتبطة بمحمد الشعار


4
أخبار

بعد مذكرة التفاهم السورية ـ الروسية.. هيئة المنافذ والجمارك تتسلم مواقع تجارية في مرفأ طرطوس


5
أخبار

الهيئة العامة للطيران المدني تتسلم إدارة مطار اللاذقية الدولي


advert