من "دريد ونهاد" إلى "أسعد وجودة": تطور الثنائيات الكوميدية في الدراما السورية
3 فبراير 2026
حظيت الثنائيات الكوميدية في الأعمال الدرامية السورية بنجاح وانتشار واسعين على المستويين المحلي والعربي. فالشخوص الدرامية بشكل عام هي العمود الرئيس الذي يحرك العمل وينمي الحدث، بما تقوم به من صراع، فكيف إذا كان وجود أحدها مرتبطًا بالآخر، بما يشكل ثنائية مترافقة على الدوام.
وإن طبيعة التطور في البناء العام للشخصية الفكاهية تحيل إلى مفهوم الثنائية الكوميدية، والتي هي عبارة عن شخصيتين تلعبان دور البطولة على الأغلب، تترافقان معًا، وتواجهان أندادًا آخرين، أو تكونان أنفسهما ندين لبعضهما البعض. وتحمل الشخصية الكوميدية في أبعادها ومقوماتها ما يبعث على الضحك والسخرية وحتى الاستهزاء، ومرد ذلك هو تلك المواقف والأفعال التي تصنف ضمن مستويات دون العادة.
وما بين سبعينات القرن الماضي ودراما بدايات القرن الحالي، كانت ولادة الثنائيات الفنية تشهد اختلافًا بنيويًا. ففي السبعينات، شكل "الكاركتر" أساس ولادة هذه الثنائيات، وكان يتم تطويع النص الدرامي بما يتلاءم وطبيعة هذا "الكاركتر" وصفاته النفسية والجسدية، كما هو الحال في ثنائية "دريد ونهاد"، التي انتقلت من الحكاية الطريفة والمسلية في الحارة الدمشقية الشعبية من خلال مسلسلات "حمام الهنا" و"مقالب غوار" و"صح النوم" في التلفزيون، إلى فضاء أوسع من القضايا الاجتماعية والسياسية على المسرح من خلال مسرحيات "ضيعة تشرين" و"غربة"، إلى عوالم مختلفة ومستويات فكرية وفنية في ست وعشرين فيلمًا سينمائيًا سوريًا ومصريًا.
وبعدها تعددت الثنائيات الكوميدية المتناقضة (الخير والشر)، ورغم تنوعها خلال العقود الماضية، فإن أبرزها كان ثنائية "أسعد وجودة" في مسلسل "ضيعة ضايعة" بموسميه. إذ وظف كل من الفنانين باسم ياخور والراحل نضال سيجري الموهبة التمثيلية الجبارة بكل ما فيها من معطيات احترافية فذة، أكسبت الشخصية درجة كبيرة في الإجادة والثناء من الجمهور، حتى أن الراحل نضال سيجري لُقِب عن هذا الدور من محبيه والنقّاد بـ "تشارلي شابلن العرب".
ومن الملاحظ ميل الدراما السورية عند طرحها للثنائيات الكوميدية إلى اعتماد التماثل بين أطراف الثنائية، جنسًا وعمرًا ومستوى اقتصاديًا واجتماعيًا، بينما تعتمد في التعليم إما المفارقة الثقافية، وذلك من أجل بناء التركيبة الكوميدية بالاعتماد على المواجهة التي تجمع الجهل والعلم، كما في ثنائية "دريد ونهاد"، (غوار الأمي يجابه حسني الصحفي)، أو التماثل في الجهل لمقارنة الأمية بين قطبي الثنائية وكيفية مواجهة كل منهما للمشكلة، كما في ثنائية "أسعد وجودة". وجسد طرفا الصراع في ثنائية "دريد/نهاد"، (غوار) كأيقونة للشر مقابل (حسني) الذي لعب دور الرجل الخيِّر. أما ثنائية "ضيعة ضايعة" فتبلور فيها جانب الشر مع (جودة) الذي صب سخطه على جاره (أسعد)، فشكل الأخير الجانب الخيّر في آلية الصراع الدرامي.
هذا الصراع الذي اشتعل فتيله بمسوغات متباينة بين الثنائيتين، فلدى "دريد ونهاد" بُني الصراع بلبنة عاطفية، وهي التنافس على الفوز بقلب "فطوم حيص بيص". في حين تجسدت ركيزة الصراع في ثنائية "أسعد وجودة" في المشارطة المالية. واستخدم طرفا الشر الاحتيال والسرقة كوسيلة للوصول إلى الهدف، وتفرَّدت شخصية (حسني) بأساليب خاصة للوصول إلى المبتغى، فوظفت الحكمة والنصيحة تارة، وإخفاء الأمور كوسيلة لإتقاء شر خصمها تارةً أخرى.
بينما كانت شخصية (أسعد) أكثر سذاجة، وتصرفت بعفوية أعلى، وتقاسمت المسؤولية مع خصمها أحيانًا كونهما جارين وجمعتهما مشكلات مشتركة. وهذا ينطوي على دراسة تاريخية متأنية للتباين الثقافي بين شخصيتي الخير وأثره على قراراتهما المجتمعية، ما يعزز بدوره شخصية الخير المطلق، فـ (أسعد) أكثر مسالمة من (حسني)، ولديه مقدرة على التسامح ومنح الفرص، وهذا بدوره كرّس علامة تضمينية تعزز قيمة العلم في إنضاج الشخصية وتنمية الوعي الاجتماعي في سلوكياتها.
وحافظت ثنائية "دريد ونهاد" على أسماء الممثلين في الترويج لها، وذلك لتعدد الأعمال التي قدمها النجمان معًا، بينما لم تشتهر ثنائية "نضال وباسم" لأن "ضيعة ضايعة" هو المسلسل الدرامي الطويل الوحيد الذي جمعهما معًا. كما كان هناك مفارقة واضحة في طبيعة الرابطة التي جمعت أطراف كل ثنائية، فمع "دريد ونهاد" كانت العلاقة أميل إلى صداقة مبطنة ليمرر طرف الشر أهدافه تحت ذريعة حسن النية، ولم تخلُ من عداء معلن لدى الطرفين في بعض الأحيان، ما يؤكد توظيف شخصية الخير غير المطلق (حسني) المتهيئة للرد على مكائد الآخر، على عكس شخصية الخير المطلق التي أداها (أسعد). ففي ثنائية "أسعد وجودة" كانت الصداقة حقيقية، ولم يتجرأ طرف الشر على إشهار الحرب علانية، وهذا يحمل دلالة رمزية تشير إلى أن علاقة الجيرة أجبرت عنصر الشر في "ضيعة ضايعة" على إضمار الضغينة ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
ومن الناحية الفيزيولوجية، حاكت شراكة "دريد ونهاد" الثنائية العالمية "لوريل وهاردي" في الشكل الجسماني (النحيل القصير والبدين الطويل)، وتناقضت مع ثنائية "أسعد وجودة" في عنصر الطول، فاختير الطويل كطرف خير (حسني) والقصير (غوار) كطرف شر، بينما اختير الطويل طرف شر (جودة) والقصير طرف خير (أسعد). وصُمِّم المظهر الخارجي بلباس تقليدي بالنسبة للأنماط غير المتعلمة، على اعتباره يهب الشخصية سمة كوميدية ويناسب بيئتي العملين: الحارة الشعبية (حارة كل من إيدو إلو) وضيعة (أم الطنافس الفوقا)، بينما أطلت شخصية المتعلم (حسني) بمظهر عادي.
سيكولوجيًا، استأثر طرفا الشر بسمات الدهاء والعدوانية، واختلفا بأن (غوار) أكثر ذكاءً من (جودة)، و(جودة) أكثر غرورًا من (غوار). واتفقت شخصيتا الخير بالصفح والغفران، واختلفا بأن (حسني) أكثر تواضعًا من خلال قدرته على مسايرة الواقع الأمي لحارته، بينما كان (أسعد) أكثر عصبية من (حسني)، وبمقارنته به أيضًا نجده معدوم الذكاء. وبدت كافة الشخصيات اجتماعية، انطلاقًا من أن مخالطة الجموع يهيئ الفرص لإضرام غائية الملهاة.
أما البعد السيسيولوجي، فيؤكد عدم امتلاك أطراف الشر لأية خصال حميدة، وبروز قيم الحقد والثأر والحسد والبخل لديها، بينما طغت قيمة الكرم عند (أسعد) لأن المشارطة المالية جزء من التيمة الحكائية. وانتمى الجميع إلى أوساط تعاني العوز والفاقة، ما عكس إشارة تضمينية تؤكد أن العسرة وبؤس الحال هي مادة دسمة في بناء عنصري الهزل والمزاح. وبالنسبة للبنية اللفظية، فقد مالت تراكيب الجميع إلى العامية المفرطة، ما نقل رسالة ألسنية توضح أن الشعبية الكلامية هي أداة ليست بالهينة في صناعة عنصر الإضحاك.
وبالانتقال إلى الثنائيات المتجانسة (الخيرة)، فلعل أبرز ما ظهر هو ثنائية (دنيا/أمل معرفة) و(طرفة/شكران مرتجى) في مسلسل "دنيا"، وثنائية (جميل/أيمن رضا) مع (فرج/باسم ياخور) من سلسلة "عيلة النجوم" ("عيلة ست نجوم" على وجه الخصوص). وتميزت الثنائيتان بالتوافق السلوكي، إذ جمع الثنائية الأولى (دنيا/طرفة) أبعادًا سيسيولوجية عدة، تجلت في التماثل المهني (فالأولى مدبرة منزل والثانية طاهية)، كما تشاركتا في المستوى الاقتصادي فكلتاهما تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، وكانتا تخططان لأهداف موحدة، وهي الفوز بزوج ينقذها من الصعوبات المهنية والحياتية التي تعاني منها كل منهما.
وعلى الصعيد الفيزيولوجي، أصرت الدراما على تقديم النمط المعتاد (قصيرة وطويلة القامة) كسمة دلالية باعثة على الضحك من منظر اصطحابهما لبعضهما، فشكل بذلك فارق الأطوال رمزية مرئية منمطة للثنائيات الكوميدية، ولم تغب تلك النقطة عن (جميل/فرج)، شراكة القصير والطويل اللذين جمعهما رابط قربى (فجميل هو أخ خطيبة فرج).
أما من ناحية البعد السيكولوجي، فغلب على ثنائية (دنيا/طرفة) صفة قوة الشخصية، لكن (دنيا) بدت أعمق ذكاءً وأكثر ثقة بالذات. وهذا التباين حمل علامة سيمولوجية دالة على سعي صُنّاع العمل إلى افتعال المشاكل على يد (طرفة) ذات الحظ اليسير من الحنكة، ما أوقعها بمطبات عدة أسست لذرى درامية متصاعدة، ومهدت الطريق أمام صديقتها (دنيا) لمساعدتها. كما عزز العمل من أواصر الصداقة بين الرفيقتين، وقدم بذلك نموذجًا لطيفًا لصبيتين مخلصتين، لكنه لم يكن نموذجًا طوباويًا، فنار الغيرة أسعرت في مطارح عدة، وهي غيرة مشرعة بين فتاتين فقيرتين باحثتين عن عريس الغفلة.
أما طبيعة العلاقة في ثنائية (جميل/فرج) فتميزت بالتواضع العاطفي، فلا روابط تعبر عن محبة عارمة، إلا أن تقارب العمرين بين الشابين جمعهما في قضايا عائلية عدة، وورطهما في متاهات مشتركة سعياً لحل العقبات الدرامية الموجودة داخل البيت الواحد (سيت كوم). ولابد من الإشارة إلى أن ثنائية (رضا/ياخور) لم تقتصر على سلسلة النجوم، بل قدم الزوج الدرامي شراكات متنوعة شملت أعمالًا كوميدية مختلفة، فضلًا عن إعلانات تلفزيونية لإحدى منتجات البسكويت، والتي لاقت رواجًا لافتًا في تلك الآونة، نظرًا لدماثة الممثلين وخفة حضورهما والكاريزما الآسرة التي تمتعا بها، لدرجة أن الجمهور ربط اسمي النجمين معًا، وتولد لديه شعور أن وجود أحدهما يعني بالضرورة إطلالة الآخر. كما انتاب محبو (رضا/ياخور) حالة متأججة من الحزن عندما وقعت خلافات طفيفة بين الثنائي، أدت إلى حل الشراكة واندثارها.
وبالانتقال إلى الأدوات التمثيلية، فقد تغلبت بشكل ملحوظ حركات الأيدي على الإيماءات الوجهية في ثنائية "دريد ونهاد"، لاتساع لقطات التصوير في تلك المرحلة، بينما برزت حركات العيون والفم في الثنائيات الحديثة، للاعتماد على اللقطات القريبة بدرجة أعلى. كما شكل الحذاء أيقونية جلية في الثنائيات كافة: قبقاب (غوار) الذي دارت حوله سرديات فكاهية عدة منطلقة من شكله وطقطقاته، وحذاء (جودة) ("التاسومة") الذي اعتمده كوسيلة لتعنيف الزوجة، وأحذية (طرفة) و(فرج) التي ولعت روح الدعابة من ضخامة أحجامها.
أما أدوات الصوت، فركز الأبطال على طبقة الصوت المرتفعة والنبرة الغاضبة والساخرة، كوسيلة لمواجهة أطراف الثنائية بعضها بعضًا، وطغت نبرات المحبة على السرد الحكائي بين (دنيا) و(طرفة) لمتانة حبال الصداقة. كما استخدم طرفا الشر (غوار) و(جودة) النبرات الهادئة لتصدير برودة الأعصاب واعتمادها كوسيلة لبعث الراحة لدى الطرف المواجه، وهي ذات الأداة الموظفة في ثنائية (جميل/فرج): الحديث ببطء بغاية المهادنة وكسب المزيد من الوقت.
وفي الختام، لابد من الإشارة إلى أن الدراما السورية شكلت مناخًا خصبًا لظهور ثنائيات فنية عديدة، لأن معظم الأعمال محكومة بسياسة البطولات الجماعية لا النجم الأوحد. ولابد من العودة إلى الثنائية الأولى، "دريد ونهاد"، لمعرفة أي شرط ولدها، وأية إضافة قدمتها، وكيف يمكن الانطلاق منها والبناء عليها، دون تكرارها بل بالمراكمة عليها، باعتبارها الأساس الذي قامت عليه عشرات التجارب الفنية، وبصفتها العتبة التي لم تستطع تجاوزها العديد من المحاولات الثنائية التالية، وكونها القبس الكوميدي الذي لم ولن تنطفئ جذوته، رغم مرور ما يقارب أكثر من نصف قرن على إصدار النسخ الأولى منها.
الكلمات المفتاحية
عرض جديد في حمص.. فيلم "الكومبارس" ومعاناة الإنسان المهمش
يُعتبر فيلم "الكومبارس" واحدًا من أبرز أفلام السينما السورية، محتفظًا بمكانة خاصة في ذاكرتها البصرية
وزارة الثقافة تُحدث دورات تدريبية في التمثيل لكبار السن بالمعهد العالي للفنون المسرحية
تأتي هذه الدورات، التي تمتد لسنة دراسية واحدة، بهدف دعم واكتشاف المواهب التمثيلية التي لم تتمكن من الحصول على فرص التعليم الأكاديمي سابقًا
"ذا إيكونوميست": معرض دمشق للكتاب يختبر حدود الانفتاح الثقافي في سوريا الجديدة
يعكس معرض الكتاب اختبارًا مبكرًا لحدود الانفتاح الثقافي في سوريا ما بعد الأسد، وسط آمال حذرة بأن تستمر مساحة التعبير في ظل المرحلة السياسية الجديدة
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026