من دير الزور إلى دمشق: الإيجارات والبطالة والدمار وقود الهجرة الداخلية
17 ديسمبر 2025
على الرغم من مرور عام كامل على سقوط نظام الأسد البائد، ما تزال محافظة دير الزور تشهد موجة هجرة داخلية واسعة لأبنائها باتجاه المحافظات الداخلية، وفي مقدمتها دمشق وريفها. ويأتي ذلك نتيجة تدهور الظروف المعيشية، وغياب الخدمات، والدمار الواسع الذي خلّفته سنوات الحرب، إضافة إلى غياب فرص العمل وضعف الاستقرار الأمني في العديد من مناطق المحافظة، ولا سيما تلك الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية "قسد".
إيجارات مرتفعة وحياة صعبة
يقول أبو محمد، ربّ أسرة من بلدة الحريجية في ريف دير الزور الشرقي، إنه اضطر إلى مغادرة بلدته بعد تصاعد التوتر في المناطق الخاضعة لسيطرة "قسد"، إلى جانب انعدام فرص العمل له ولأسرته. ويضيف لموقع "الترا سوريا": "كنت أعمل في تجارة الأغنام، لكن الطرقات غير آمنة، والتنقّل صعب، والدخل شبه معدوم".
وتابع: "في النهاية لم أجد خيارًا سوى الانتقال إلى دمشق؛ هنا يوجد استقرار نسبي، ومدارس لأطفالي، وعمل يكفيني للعيش بسلام، بعيدًا عن التوتر والخوف اللذين عشناهُما لسنوات، وكنا نأمل أن ينتهيا مع سقوط نظام الأسد، إلا أن الحال لم يتبدّل كثيرًا". وأضاف: "ما تزال قسد تسيطر على الجزيرة السورية، فيما يبدو المشهد في مناطق سيطرة الحكومة ضبابيًا، مع استمرار حالة الانفلات الأمني".
ورغم تحسّن بعض الجوانب في العاصمة دمشق، إلا أن القادمين من المحافظات الشرقية ما يزالون يعانون صعوبة التكيّف مع ارتفاع تكاليف المعيشة. "الإيجارات مرتفعة، والحياة صعبة"، تقول خديجة الصالح، أم علاء، وهي سيدة في الخمسين من عمرها من أبناء مدينة البوكمال على الحدود السورية–العراقية. وتروي الصالح قصة نزوحها لـ"الترا سوريا"، مشيرة إلى أنها عادت إلى حيّها في دير الزور لتجد منزلها مدمّرًا بالكامل.
وتتابع: "لم يكن لدي أي سقف آمن أعود إليه. فكّرت في الترميم، لكن التكلفة تفوق قدرتي بمراحل. كما أن الإيجارات في دير الزور أصبحت بالملايين، وهي مرتفعة بسبب قلّة المنازل الصالحة للسكن". وأشارت إلى أنها قررت الانتقال إلى دمشق، قائلة: "هنا أيضًا الإيجارات مرتفعة، لكن على الأقل توجد خيارات أكثر وفرص عمل يمكن من خلالها تأمين إيجار المنزل والعيش بالحد الأدنى".
"لا نشعر بالاستقرار الحقيقي"
أما الشابان محمود وأحمد، وهما نجّاران يعيشان في ريف دمشق، فيؤكدان أن قرار الهجرة لم يكن سهلًا، لكنه كان ضروريًا ليتمكّنا من العمل وتأمين مصدر دخل ثابت نسبيًا لهما، ولمساعدة أسرتيهما في تلبية احتياجات الحياة اليومية.
يقول محمود: "في دير الزور لا يوجد طلب على مهنتنا، وحركة إعادة الإعمار ما تزال خجولة، والأجور منخفضة، لذا قررنا التوجّه إلى ريف دمشق". وتابع: "الوضع هناك أفضل، لكن المنافسة قوية، والأسعار تتغيّر يوميًا، وحركة البناء وإعادة الإعمار جيدة مقارنة بدير الزور. وعلى الرغم من ذلك، نحن نعمل، لكننا لا نشعر بالاستقرار الحقيقي".
أما أحمد العمر، وهو شاب في العشرين من عمره، فيقول إن ارتفاع إيجارات المنازل، وقلّة فرص العمل، وحجم الدمار الكبير الذي حلّ بالمدينة، دفعتهم إلى البحث عن فرص عمل خارج المحافظة. ويضيف لـ"الترا سوريا": "أعمل اليوم في ورشات النجارة بريف دمشق؛ هنا الوضع جيد، وأجور العمل التي نتقاضاها تُعدّ جيدة. ونأمل أن يتحسّن الوضع في دير الزور لنعود ونبني منازلنا ومدينتنا".
مقترحات وحلول لاحتواء الظاهرة
الهروب من الواقع الاقتصادي المتردّي، وقلّة فرص العمل، وارتفاع إيجارات المنازل، وحجم الدمار الكبير، هي أسباب تدفع أبناء دير الزور إلى مغادرة مدينتهم وتجرّع مرارة الغربة بحثًا عن استقرار أفضل وحياة أكثر استقرارًا، على الرغم من كل المصاعب.
وعن الهجرة الداخلية لأبناء دير الزور، يرى الباحث الاجتماعي، مصطفى النجم، في حديثه لـ"الترا سوريا" أن الهجرة الداخلية باتت تشكّل خطرًا على النسيج الاجتماعي والاقتصادي. محذّرًا من خطورة استمرار موجة الهجرة من دير الزور، موضحًا أنها تُحدث خللًا اجتماعيًا واقتصاديًا في المحافظة.
وأضاف الباحث الاجتماعي أن مع مرور الوقت، تعني هذه الظاهرة إفراغ المحافظة من طاقاتها الشبابية والمهنية، إذ كلما طالت رحلة الغربة والبقاء خارجها، أصبح من الأصعب عودة السكان وإعادة بناء مجتمعهم المحلي، لافتًا إلى تأثير موجات الهجرة الداخلية على اليد العاملة داخل المدينة، وتراجع القطاع الزراعي في المحافظة، التي تعتمد بشكل أساسي على الزراعة.
ويختتم النجم حديثه بالقول إن هناك العديد من الحلول للحدّ من هذه الظاهرة، من بينها إطلاق مشاريع إعادة الإعمار السكنية لتوفير مساكن بديلة للمتضرّرين، وتوفير فرص عمل حقيقية داخل المحافظة، وتحسين الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والتعليم، إضافة إلى تقديم حوافز اقتصادية للمهنيين للعودة إلى مناطقهم. ولعلّ الأهم هو معالجة المخاوف الأمنية عبر ضبط الحالة العسكرية والأمنية في عموم المحافظة.
وتستمر الهجرة الداخلية من دير الزور إلى دمشق وريفها، كاشفةً عن عمق الأزمة التي ما تزال تعصف بالمحافظة رغم التغيّرات السياسية الأخيرة. وفي الوقت الذي يبحث فيه الأهالي عن الأمان والعمل، تبقى عودتهم مرهونة بتحسّن مختلف مناحي الحياة داخل المحافظة، التي لا تزال تعاني.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


