ultracheck
مجتمع واقتصاد

من شرارة الفتنة إلى عقد اجتماعي جديد: كيف صنعت جرمانا تجربتها في الأمن المشترك؟

15 نوفمبر 2025
جرمانا
ترسّخ جرمانا السلم الأهلي بعد سقوط النظام عبر شراكة مجتمعية – أمنية أعادت الاستقرار والتعايش المتنوع (سانا/الترا سوريا)
قصي زهر الدين
قصي زهر الدينكاتب وصحفي

تقع مدينة جرمانا قرب العاصمة دمشق، وقد أصبحت بعد سقوط نظام الأسد رمزًا لتجربة محلية تُظهر إمكانية نفض عبء الماضي والانتقال نحو أسس جديدة من الأمن والاستقرار. وشهدت المدينة عقب سقوط العديد من المنغصات والتحديات، قبل أن تتحوّل إلى مدينة آمنة يسود فيها الاستقرار والسلم الأهلي، رغم مجتمعها المتنوّع.

من عهد الحرب إلى عهد البناء

بعد سنوات من النزاع وتداعياته في الضواحي الشرقية للعاصمة، دخلت جرمانا مرحلة ما بعد التحرير، وهي مرحلة تتسم بمحاولات استعادة الحياة الطبيعية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي. وفي هذه المرحلة، بدا أن المدينة، التي يقطنها غالبية من أبناء الطائفة الدرزية إلى جانب مكونات متعددة، تحاول أن تشكّل منطلقًا لتجربة "العودة إلى المدنية" بعد الفراغ الذي خلّفته السلطة المركزية سابقًا.

وقد ارتبط هذا التحوّل بعدة ملامح، أبرزها عودة الحركة إلى الأسواق والشوارع، وبدء إعادة تشغيل مؤسسات محلية، إلى جانب تفعيل جهاز الأمن الداخلي المكوّن من أفراد تابعين للسلطة وآخرين من أبناء المدينة، فضلًا عن إعادة تفعيل مركز الناحية.

بهذا المعنى، باتت جرمانا مثالًا لمفهوم "المدينة التي حافظت على السلم الأهلي بعد سقوط النظام"، ليس من باب الخطاب فقط، بل عبر تفاعل مؤسسات الدولة – ولو ببطء – مع الواقع المحلي، بما في ذلك حاجات الأهالي ومكوناتهم. غير أن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود، إذ برزت تحدّيات كبيرة، بعضها ذو بُعد طائفي، وبعضها مرتبط بانتشار السلاح المحلي أو تسيّب الحواجز، ما أفضى إلى أحداث مؤلمة.

صياغة عقد اجتماعي جديد

في أواخر شهر نيسان/أبريل عام 2025، شهدت المدينة ما يشبه "الشرارة" التي كادت تشعل فتيل فتنة طائفية، بعد تداول تسجيل صوتي مُفبرك عبر الذكاء الاصطناعي، نُسب إلى شخص من الطائفة الدرزية ويتضمّن إساءة إلى النبي محمد، ما فجّر غضبًا شعبيًا واسعًا، ودفع بالأوضاع الأمنية في المدينة إلى منعطف خطير.

وبحسب التقارير، هاجم مسلّحون من داخل المدينة وخارجها بأسلحة خفيفة ومتوسطة، ما أدّى إلى مقتل عدد من عناصر الأمن والمدنيين. وقد تركت هذه الحادثة أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا، إذ أثارت مخاوف لدى أهالي جرمانا من أن تتحول إلى بوابة لتدخلات خارجية أو لاستغلال طائفي. كما أشار بعض المراقبين إلى أن الأقليات – ومن بينها الدروز – باتت تشعر بأنها أكثر عرضة للمخاطر في حال استمرار حالة الفوضى.

لكن الأزمة، رغم أنها كانت مؤلمة، فتحت في الواقع الباب لاتفاق أمني مهم، وصياغة عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمحبة. يقول مصطفى نعيم، وهو من سكان المدينة، لموقع "الترا سوريا": "منذ دخول الأمن الداخلي ونحن نشعر بطمأنينة كبيرة. لا يتدخلون بأحد، بل على العكس يحمون الناس وممتلكاتهم".

وأضاف: "لن ينسى أهالي مدينة جرمانا عندما داهم الأمن الداخلي من أبناء الغوطة وشباب جرمانا وكرًا للمخدرات، ما أسفر عن وقوع شهيد من أبناء المدينة، إذ شيّعه الأمن الداخلي بعراضة شامية"، واصفًا جرمانا بأنها "مدينة التعايش والمحبة".

دخول الأمن العام الداخلي واندماج شبان الدروز

ردًا على الأحداث، اجتمع ممثلو الحكومة الجديدة مع مشايخ طائفة الموحدين الدروز في جرمانا ووجهاء المنطقة، وتم التوصل إلى اتفاق لتهدئة الأوضاع. وقد تضمن الاتفاق جبر ضرر الضحايا، ومحاسبة المتورّطين، وتعزيز الأمن العام داخل المدينة، وحصر السلاح بيد الدولة، وتسليم السلاح غير المرخّص، وتنظيم الحواجز بإشراف أمني مشترك.

من المفيد الإشارة إلى أن هذا الاتفاق ركّز على أهمية إشراك أبناء جرمانا، لا سيما من الطائفة الدرزية – في المنظومة الأمنية. وبحسب مصادر محلية، فإن بعض شبان الدروز انضمّوا إلى صفوف الأمن الداخلي ضمن هذه التسوية، وهو ما ساهم في كسر الحواجز بين المجتمع المحلي ودور الدولة.

يقول ماهر العلي، وهو من مواليد جرمانا، لـ"الترا سوريا":  "ما جرى في جرمانا من أحداث عنف كان كفيلًا بتقويض السلم الأهلي فيها إلى الأبد". وأضاف "الحوار المجتمعي الذي حدث بعد ذلك ودخول الأمن الداخلي قلب الأمور رأسًا على عقب، فحولها من مدينة مهددة بسلمها الأهلي إلى مدينة تصلح كنموذج للسلم الأهلي، وهذا ما يؤكد دور الحوار والابتعاد عن حلول العنف".

وبهذا الاتفاق، يمكن القول أن المدينة تحوّلت إلى نموذجٍ للتعاقد الأمني بين الدولة والمجتمع المحلي. دولة تُعيد الهيمنة الشرعية من طرف، ومجتمع محلي – عبر مشايخه وأبنائه – يساهم في ضبط الواقع الاجتماعي داخليًا من طرف آخر. ومع مرور الأيام، بدأت حركة السير تدريجيًا تُستأنف، والمداخل والمخارج تُؤمّن، والنفوس تطمئن.

الهدوء والاستقرار وروح التسامح والعيش المشترك

بعد الاتفاق الأمني، بدأت المدينة تتمتع بقدر من الهدوء والنشاط اليومي الذي بدأ يستعيد طبيعته. فقد أُعيد فتح الأسواق، وبدأت الشوارع معها تستعيد حركتها، وتعزز في الأفق شعور بأن "هذه المدينة لنا جميعًا".

وكان من أبرز عناصر هذا التقدم أن الأمن الداخلي بدأ يدير مع وجهاء الدروز العمل الأمني بما عزز الثقة بين السكان، فيما منح الاستقرار الجديد المدينة فرصة لتكريس التعايش الأهلي. وقد شدد مشايخ الدروز على رفض الفتنة وحماية المقدسات، مؤكدين أن المدينة للجميع. ومع ضبط السلاح والحواجز، بدأت الثقة تعود للمواطن الذي يشعر اليوم بشراكة فعلية في تعزيز الأمان والاستقرار.

تقول حميدة عبيد، وهي من دير الزور، لـ"الترا سوريا": "قدمت مع أهلي إلى جرمانا منذ  12 عامًا، ولم أشهد حادثة عرقية أو طائفية بالمطلق سواء في عهد النظام البائد أو اليوم". وأضافت مؤكدة على التناغم المجتمعي في المدينة: "في رمضان كان سكان جرمانا يطبخون ويطعمون الجيران وبعضهم عمل موائد رمضانية".

وأشارت السيد عبيد في حديثها إلى أن "سكان جرمانا طيبون جدًا بكافة دياناتهم وقومياتهم"، مؤكدةً أن "تجربة جرمانا السلمية" وفق تعبيرها، تُعد من "التجارب المهمة للغاية، والتي يصلح تعميمها على كافة المجتمع السوري".

أن تعيش كمجتمع متنوّع

تُشكّل مدينة جرمانا مثالًا حيًا لسوريا ما بعد نظام الأسد؛ مواجهة صعبة لتسجيل مُسيء وتدهورٍ أمني، أعقبته صيغة اتفاق أمني – مجتمعي أعاد ترسيخ الدور الشرعي للدولة مع إشراك المجتمع المحلي. والعامل الأبرز في هذه التجربة أن سكان المدينة، لا سيما الطائفة الدرزية التي تُشكّل الغالبية، لم ينزلقوا إلى منطق الانتقام أو العزل، بل اختاروا طريق التعايش والمشاركة.

ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، ولا يمكن القول إن كل شيء استقرّ بشكل نهائي، فإن جرمانا تمضي نحو غاية مهمة: أن تعيش كمجتمع متنوّع ينعم بالأمان والاستقرار، وأن يتفاهم أفرادها – بكل أطيافه – على أن "المدينة للجميع".

وهنا تكمن الرسالة التي يمكن تلخيصها بأن الأمن والاستقرار لا يُنتجان بقوة السلاح أو بفرض النظام فحسب، بل من خلال شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع، وبروح تسامح ومشاركة تُحترم فيها جميع المكوّنات. جرمانا اليوم تُسجّل كتجربة تنطلق من هذا الدرس: الأمن للجميع، وجميعنا شركاء في إعادة بناء سوريا الجديدة.

الكلمات المفتاحية

حملة 16 يومًا

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية

توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن


مستشفيات دير الزور

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية

يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية


المدافئ في القامشلي

أسعار المدافئ ترتفع في القامشلي.. والأهالي يلجؤون لإصلاح القديم

انخفاض القدرة الشرائية أدت إلى تراجع الإقبال على شراء المدافئ واللجوء إلى خيارات أخرى تبدو أكثر اقتصادية


الطاقة الشمسية

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية

ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل

حملة 16 يومًا
مجتمع واقتصاد

حملة "16 يومًا" تناهض العنف ضد النساء وتدعو لمواجهة امتداداته الرقمية والاجتماعية

توحد حملة "16 يومًا" جهود القانونيينات والإعلامييات والمختصات لمواجهة العنف الرقمي ضد النساء وتعزيز حمايتهن

مستشفيات دير الزور
مجتمع واقتصاد

علاج بعيد المنال: قصص مرضى دير الزور تكشف حجم الانهيار في الخدمات الطبية

يعاني سكان دير الزور من أزمة صحية جعلت العلاج رفاهية بعيدة المنال في ظل تراجع الخدمات الطبية


أرشيف الموت السوري
عدالة انتقالية

أرشيف الموت السوري: أدلة مصوّرة جديدة تكشف اتساع جرائم الاعتقال والتعذيب في سجون نظام الأسد

يكشف التقرير أرشيفًا مسرّبًا يضم عشرات آلاف الصور التي توثّق تعذيب وقتل معتقلين داخل السجون خلال حقبة نظام الأسد

الطاقة الشمسية
مجتمع واقتصاد

من العدّاد إلى الألواح: الدمشقيون يهربون من فاتورة الكهرباء إلى الطاقة الشمسية

ارتفاع أسعار الكهرباء يدفع الدمشقيين للتحول السريع إلى الطاقة الشمسية وتعديل عاداتهم المنزلية بحثًا عن استهلاك أقل

الأكثر قراءة

1
قول

عامٌ مضى.. هل تستعيد مؤسسات الدولة ثقة السوريين؟


2
منوعات

دوري "سيريتل" لكرة السلة.. تسعة أندية في سباق موسم يبحث عن استقرار وتنظيم جديد


3
أخبار

تقرير: شبكات تمويل وتجنيد سرية.. مخلوف وحسن يتنافسان على إعادة تشكيل نفوذ ما بعد الأسد


4
أخبار

قوة إسرائيلية من 6 آليات تتوغل في قرية صيدا الحانوت بريف القنيطرة


5
أخبار

غارة أميركية تستهدف مسؤولًا في "داعش" وتقتل عميلًا سوريًا بشكل خاطئ


advert