من "كورتاج" إلى "عشبة واقفة".. الأعمال الكاملة لإياد شاهين تكشف معجمًا شعريًا فريدًا
29 أغسطس 2025
نزح إياد شاهين من قريته "عينفيت" في الجولان السوري المحتل وهو جنين في رحم أمه، قريته تلك التي "يحدُّها البعيد، من كلِّ الجهات"، إلا أنه اكتسب الصفة التي لازمت مَن تعرّض لهزيمة حزيران/يونيو 1967: "نازح"، وصارت جزءًا من هويته، وكذا من معجمه الشعري فيما بعد. مع ذلك، فقد قضى حياته واستوفى أنفاسه في دمشق، دمشقه، مدينة الموت والاستلاب والغربة والاغتراب، وفي الآن نفسه الانتماء والسجن: "دموعٌ ستجهش ناسيةً أن تضيء، وامرأةٌ لا تجيء، وصمتٌ بطيء". ودمشقه سورٌ "فمن سوَّرَه؟ ومن صوَّرَه، على هيئة النسر والنصر؟ من أجبرَه، على الجريِ حول المدينة، كالمقبرة، كالفقرِ حولَ السماء؟". وأخيرًا، دمشقه التي هي "عيبُ بردى الوحيد". ولكنها لم تخيّبه، في النهاية، حين شهدها "تنظِّفُ سرَّتَها، مِن مَنِيَّ العسَس". مع ذلك، فقد كان يحب أن يزور دمشق 1950، ولم يستطع.
من هنا يتضح أنّ جزءًا من معجم شاهين الشعري لم يكن مكرسًا لدمشق فحسب، بل كانت هي التي تصنعه، دمشق السور، البور، دمشق المقبرة، مدينة الأموات الأحياء، وهي عيبُ بردى الوحيد. سوف يكون لبردى كذلك، لا كنهر، بل كرمز، وماء، عيبه الخاص: إنه منذور للعطش. من هنا تكون المدينة ورمزها الضخم عيبًا في حياة شاهين، المدينة عيبٌ لنهرها، والنهر عيبُه عطشه. إلا أنه شهد، سنة 2011، كيف بدأت المدينة تنظّف نفسها من منيّ العسس: الثورة تفجّرت، ولن يتابع شاهين إلا أولها، وسوف يصيبه غمٌّ مما آلت إليه، ويطلق إنذاراته، لكنه سيموت قبل أن تكتمل.
من كورتاج إلى عشبة واقفة: الإهداء شكل العالم
كانت الكتابة شيئًا يشبه البقاء على قيد الحياة بالنسبة لشاهين، يشبه أن يستيقظ المرء في اليوم مئات المرات على الفضيحة ذاتها، والعالم لم يتغير، لأنّ "الشمس تشرق من قديم".
ظلّت "عينفيت" القرية البعيدة المحتلّة جرحًا في خاصرته، أنشوطة حول عنقه، وقد سقط الجنوب من تحت قدمه: "أنا نازح، أرثي للسفن، للآخرين.. قريتي وتدٌ، في الأبد، وكل أوطانكم... زَبَد". وعندما قُتِل الجنوب من دمشق، عندما قُبض على جنوبها وسُوّي بالأرض، وحوصر، مجددًا، كتب: "مات، عندما قتلوا جنوبًا ثانيًا، في الجهات".
خال المرء أنّ شاهين لم يشتكِ طيلة حياته، ولم يحكِ، بينما كانت المدينة تُباع، ونهرها يعطش، كان يكتب الشعر
صدرت أعمال إياد شاهين الشعرية الكاملة قبل مدة قصيرة عن دار "ممدوح عدوان" للنشر، وتتوزع على أربعة دواوين تحمل العناوين التالية: "كورتاج"، "وداعًا للدهشة"، "العنوان"، "عشبةٌ واقفة".
يبدو من إهداءِ كلٍّ من الدواوين لا طبيعة حياة شاهين أثناء الكتابة، بل شكل العالم، ومداه، وشدّة الموت فيه. فالأول كان "إلى من يهمّه الأمر"، وهو نداءٌ للعالم من شاعرٍ يلقي أول التعويذات في حياته، أما الثاني فيخلق مساحة حميمية مع أطفاله ونطاق أمانه، عائلته: "إلى ليندا، ليلى، وعلي، أطفالي الأكثر شهرةً من الحزن".
مع الديوان الثالث "العنوان" تابع شاهين بحثه الدؤوب عن المعنى، عن جدوى الأشياء جميعها، حتى كتابة الشعر، ويبدو أنّ اختيار "العنوان" كعنوان، يشبه القبض على الحلقة المفرغة، على العبث، وعلى سيزيف الذي يجب علينا أن نتخيله سعيدًا، فأهدى عنوانه إلى: "لا على التعيين"، أما الرابع "عشبة واقفة" فقد تزامنت كتابته مع بدايات الثورة، من ثم مآلاتاها، وما فعله نظام الأسد، فكتب: "إلى شهدائنا: موتكم قصيدة طويلة، في رثائنا".
براءة الطفل ونبوءة الشاعر
القول بأنّ إياد شاهين كان كائنًا من شِعر يبدو صادقًا تمامًا، وثمة براءة تطفو بين النبوءات بالموت وأشد التوصيفات قسوةً وأعتى اللحظات وحدةً وأحلكها اغترابًا، لا يمكن إلا أن تبان، براءة طفولية، ولكن يجب عدم النسيان أنّ الجنين في رحم أمه لقّبه العالم وفرض عليه الموقف النهائي لوجوده: نازح.
إنّ الميلاد هو نفسه الضياع، ضياع الأرض، و"عينفيت"، والجنوب المسحوب من تحت الأقدام. ولن يجرّ هذا الميلاد إلا الرغبة بالموت، والمدينة تزداد بغيًا، والسماء عتمة، والفزّاعات تطرد الأشياء جميعها، وبردى منذورٌ لعيبه، مات من العطش، والمدينة منذورةٌ لطاغيتها، يبيعُ سماءَها للهاوية، والبحر مالح لأنّ الغرقى ما زالوا يبكون، وكل الأشياء إلى وراء، إنها بداية الوراء، والشمس تشرق من قديم.
لكن بين كل هذا الموت: "الذي لم يحدث قط أتذكره الآن منحنيًا على قبري"، "حتى القبورُ تموت"، "إذا متَّ يومًا فلا تخبر أحدًا"، "لن أضيف شيئًا إلى الموت"، "حبري الغبار والكون قبري"، "تعثّر بالكائنات ومات، لم تنطلِ عليه الحياة". وبين كل هذا الموت، قال: "كتابةٌ على قبر.. هذا الموت أنقذ حياتي".
إنّ الموت هنا، بالنسبة للطفل والشاعر على حد سواء، هو إنقاذ من الحياة، نجاة منها، هرب، وابتعاد، عندما يكون الكون قبرًا، تكون الحياة موتًا، خديعة، مقامرة، وأحجية. تعثّر شاهين بالكائنات ومات، وأضاف وأكّد، كما يفعل الشعراء عادةً، تلك الحقيقة التي يُمليها خلودهم: الميت أبقى من الحي.
المرويّات المضادة
يُعرف الشعراء، عادةً، بتلقفهم لحكاية يوسف، والمسيح، وإعادة معالجتهم للحكايات والمرويات التي يعرفها معظم الناس، لكنّ شاهين يروي قصة يوسف، على نحوٍ مُضاد، في أربعة أسطر: "لستُ أجمل أخوتي، يبصقني الجُب، ويأكلني الذئب، وتُعرِض عني بغايا الطريق". ويروي حكاية المسيح في سطرين: "سار المسيح على الماء، ثم غرق في اليابسة".
الروي المُضاد هذا ينزع عن الحكاية الأم هالتها، ويعيد فكّها وتركيبها عن طريق ضديدها، ما يجعلها مفتوحة على التأويل والاحتمالات. كما أنها، بالنسبة لشاهين، تنتهي لحظة بدايتها. الحكاية تنتهي في مهدها، وما من بطل يتابعها.
أما الحب فهو "طائر صغير يسابق السماء"، ويتألف من "الماضي والحاضر والمستحيل". إعادة تعريف الأشياء، وتدوير الحكايات، هو اجتهاد شاهينيّ يبقى في معجمه الفريد، وفي اصطلاحاته الخاصة، ووجهة نظره عن العالم.
يخال المرء أنّ شاهين لم يشتكِ طيلة حياته، ولم يحكِ، بينما كانت المدينة تُباع، ونهرها يعطش، كان يكتب الشعر. كان العالم ينهار، يتقوّض بناؤه، يتبدد، وشاهين يكتب الشعر. لقد رأى العالم، وشمسه تشرق من قديم، هذه هي حركة التاريخ بالنسبة إليه. حتى حين اشتكى، وبكى، كان يكتب الشعر.
مرةً واحدة حكى واشتكى من حَصاةٍ تحت ظهره، في قبره. والأبد، كأيِّ أحد، يعرفه من جروحه. كان شِعرًا، ينحني للميتين، وينحني للقرى، للراحلين. الكفن رايته البيضاء، وحين صعد إلى السماء، أعلنها منطقةً آمنة.
مات إياد شاهين في العاشر من تموز/يوليو سنة 2013، عمره حبرٌ على ٧٣٥ صفحة، مات كي يفسح مكانًا للهواء. انتظر طويلًا حتى يفلس العالم، كي يشتريه، لكنّ العالم اغتنى، وظلّ فقيرًا، وكانت مأساته، مأساة الإنسان، أنه عاش في عصر البشر، حتى قال له الموت: نَم... وعليك سلام الحكاية.
الكلمات المفتاحية

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب
سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد
سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية
خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


