من محاربة "داعش" إلى مواجهة العشائر: التحول الكبير في مسيرة "قسد"
14 يناير 2026
تسلط التطورات المتلاحقة في سوريا، وخاصة في محافظة حلب والمناطق الشرقية، الضوء على طبيعة التحالف الدقيق بين المكون الكردي المهيمن داخل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والفصائل العربية التي تنضوي تحت جناحها. فما بين اشتباكات عنيفة وتوترات سياسية مستمرة، يبرز تساؤل جوهري حول مدى واقعية شعار "التعددية" الذي ترفعه "قسد"، ومصير هذا التحالف في ظل تحديات وجودية مصيرية.
النشأة والهوية: تحالف مصلحة أم مشروع وطني؟
ظهرت "قسد" رسميًا في مدينة القامشلي في تشرين الأول/أكتوبر 2015، معلنةً نفسها كتكتل عسكري يمثل جميع السوريين من خلفيات عرقية ودينية مختلفة. لكن هذا الإعلان كان في جوهره استجابة لضرورات مرحلية ملحة أكثر منه تجسيدًا لرؤية وطنية توافقية.
ووقف وراء تشكيلها عاملان حاسمان: الأول هو التمدد السريع والمخيف لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" الذي سيطر على مساحات شاسعة من شمال وشرق سوريا، مما شكل تهديدًا وجوديًا للمجتمعات المحلية عربًا وأكرادًا على حد سواء. والثاني هو تحول جذري في الاستراتيجية الأميركية، حيث سعت واشنطن بعد تجارب فاشلة مع فصائل معارضة أخرى إلى إيجاد شريك محلي قوي وفعال على الأرض ليكون حليفًا بريًا في معركتها ضد الإرهاب.
وهكذا، ارتبط مصير "قسد" منذ ولادتها عضويًا بالدعم الغربي وبمهمة محددة هي الحرب على "داعش"، وليس ببناء مشروع وطني طويل الأمد.
التركيبة التنظيمية: القلب الكردي والجسد العربي
وراء واجهة "التعددية" التي تسوقها "قسد"، تكشف البنية الداخلية للقوات عن هيمنة واضحة لا لبس فيها للمكون الكردي، المنبثق فكريًا وتنظيميًا من "حزب الاتحاد الديمقراطي"، الذي يعتبر الجناح السوري لـ "حزب العمال الكردستاني". وهذا الارتباط هو جوهر الصراع مع تركيا التي ترى في "قسد" امتدادًا إرهابيًا وتهديدًا أمنيًا مباشرًا.
يتشكل العمود الفقري العسكري والأيديولوجي لـ "قسد" من "وحدات حماية الشعب" كقوة قتالية وإدارية مركزية، و"وحدات حماية المرأة" كجناح نسائي فاعل.
أما المكونات العربية فقد دخلت المعادلة كحاجة عملية وليس كشريك مؤسس متساو. فمع توسع سيطرة "قسد" جغرافيًا بعد معاركها ضد "داعش" ووصولها إلى مناطق عربية صرفة مثل الرقة ودير الزور، أصبح دمج فصائل عربية أمرًا لا مفر منه لثلاثة أسباب رئيسية: أولًا، لشرعنة الوجود والسيطرة في عيون المجتمع الدولي والمحلي وتقديم صورة "قوة وطنية محررة" وليس "قوة كردية دخيلة". ثانيًا، لإدارة المجتمعات العربية المعقدة بنسيجها القبلي والاجتماعي الذي يصعب على العنصر الكردي تفهمه والتعامل معه. وثالثًا، لتعزيز القوة البشرية العسكرية من خلال استقطاب مقاتلين من العشائر والعناصر المنشقة عن فصائل المعارضة الأخرى.
الفصائل العربية: ولاء مشروط وهُويات متقلبة
من بين التشكيلات العربية البارزة المنضوية تحت لواء "قسد" نجد جيش الثوار الذي يعد الأكبر حجمًا والأكثر تنظيمًا، وقوات الصناديد المرتبطة بقبيلة شمر في الحسكة، ولواء ثوار الرقة، ولواء السلاجقة التركماني الذي يمثل حالة تحالف استثنائية.
لكن الواقع يكشف أن هذا الوجود العربي لم يتحول أبدًا إلى شراكة استراتيجية حقيقية. فقيادة "قسد" العليا والعسكرية تتركز بيد قادة من وحدات حماية الشعب، وعلى رأسهم مظلوم عبدي ذو الخلفية التاريخية في صفوف حزب العمال الكردستاني.
كما شهدت المناطق العربية، ولا سيما في ريف دير الزور، موجات متكررة من الاحتجاجات والاشتباكات المسلحة بين فصائل "قسد" ومقاتلين عشائريين محليين، كانت أبرزها في عامي 2023 و2024. وترجع جذور هذه الصدامات إلى شكاوى عميقة من سوء الإدارة والتهميش الاقتصادي والممارسات الأمنية القمعية، فضلًا عن سياسات التجنيد الإجباري التي تفرضها "قسد" على الشباب العربي. وعلى الصعيد السياسي، تظل "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي يهيمن عليها الحزب الكردي هي الجهة الفعلية الحاكمة، مما يضع المكون العربي في موقع المواطن المُدار وليس الشريك في الحكم.
مفترق طرق مصيري: بين مطرقة الدولة وسندان العشائر
تقف "قسد" اليوم عند منعطف حاسم تشكله ضغوط متقاطعة وقوية. يأتي في مقدمتها اتفاق آذار/مارس 2025 مع الحكومة السورية، الذي ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية وتسليم حقول النفط، مما يهدد بزعزعة التحالف من أساسه وإعادة الفصائل العربية إلى فلك الدولة المركزية.
كما تتسع الانقسامات داخل الصف الكردي نفسه بين تيار براغماتي يؤيد التفاوض مع دمشق، وتيار متشدد يرفض التنازل عن مكاسب الإدارة الذاتية، وتيار عقائدي مرتبط بحزب العمال الكردستاني يرفض الدمج من حيث المبدأ.
وتبرز العشائر العربية في دير الزور والحسكة كفاعل أمني وسياسي جديد وقادر على زعزعة الاستقرار، محولةً ولاءها المشروط إلى عنصر ضغط لا يستهان به. لقد أثبتت الاشتباكات الأخيرة أن هذه العشائر لن تكون مجرد أداة بيد "قسد"، بل يمكن أن تتحول إلى شرارة تضعفها وتقوض سيطرتها. وفي الوقت نفسه، يُضاف إلى هذه التحديات خطر التراجع المحتمل للدعم الأميركي والتهديد العسكري التركي المستمر، مما يضع "قسد" في موقف بالغ الحساسية.
مستقبل مجهول
"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) هي تحالف ولد من رحم التحالف الدولي ضد "داعش" والضرورات الميدانية الملحة، وليس من رؤية وطنية متكاملة. فهي تقوم على عمود فقري كردي عقائدي مرتبط تاريخيًا بحزب العمال الكردستاني، بينما يشكل الوجود العربي فيها غطاءً وظيفيًا لشرعنة السيطرة على المناطق العربية دون منحها حق القرار الحقيقي.
ويواجه هذا التحالف الهش اليوم مصيرًا غامضًا، معلقًا بين مطرقة اتفاق دمشق الذي قد يؤدي إلى تفكيكه، وسندان تمرد العشائر العربية التي لم تعد تقبل بدور التابع الصامت. وقد تكون الاشتباكات المتكررة في دير الزور وما دار حول تسليم بعض العناصر العربية لمنطقة الأشرفية في حلب، نذيرًا بانفصال الجناح العربي أو انهياره من الداخل، ليعيد تشكيل ولاءاته في ظل المعادلة السورية الجديدة، تاركًا المكون الكردي وحيدًا أمام خياراته الصعبة بين الاندماج المرير تحت سقف الدولة أو البقاء ككيان منكشف على أعداء متعددين.
الكلمات المفتاحية

الدمج المؤسساتي في الحسكة.. بين مركزية دمشق وهواجس "الإدارة الذاتية"
تشكل قضية اندماج المؤسسات في محافظة الحسكة تحديًا أمنيًا وعسكريًا وإداريًا للحكومة السورية

"الكرمانجية" في دائرة الاعتراف.. تحديات تعليم اللغة الكردية في المدارس السورية
شكّل المرسوم الرئاسي رقم (13) المتعلق بالمكوّن الكردي في سوريا محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالهوية الكردية بوصفها جزءًا أصيلًا من النسيج المجتمعي السوري

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


