"من يرمي الحجر الأول؟".. تجسيد مسرحي لاعتياد العنف والعدالة المأزومة
15 يوليو 2026
في دمشق اليوم، يحاول جيل جديد من المسرحيين بناء حركة فنية مستقلة تعبر عن هموم الإنسان والذاكرة السورية بعد سنوات الحرب القاسية، وتتوالى تجارب مسرحية لافتة تحاول محاكمة الواقع وتفكيك جراحه النفسية والاجتماعية. أحد أبرز هذه العروض المسرحية هو "من يرمي الحجر الأول؟" الذي احتضنته خشبة القاعة متعددة الاستعمالات في دار الأوبرا بدمشق.
العمل الذي وضع فكرته وأخرجه الفنان فادي الحواشي، بينما كتبت النص الكاتبة ديما أباظة، وقدمت مساهمة دراماتورجية لافتة. يمثل العرض تشريحًا سيكولوجيًا وفلسفيًا غاية في القسوة لآليات انتشار العنف، ويدشن في الوقت ذاته أولى التجارب الإخراجية الاحترافية للحواشي خارج أروقة المعهد العالي للفنون المسرحية.
حبكة المحاكمة والاضطرار الأخلاقي
تنطلق الحبكة الدرامية للعرض من فضاء محاكمة مغلق يتسع تدريجيًا ليعري البنية الأخلاقية للمجتمع بأسره. على مقعد الاتهام يجلس غياث (خالد شباط)، وهو شخصية تجسد مفهوم الضحية والجلاد في آن واحد. يُتهم غياث بالمشاركة الفعالة في تنفيذ عمليات إعدام وحشية بدم بارد. غير أن الجريمة لا تتبدى هنا كفعل جنائي منفصل، بل كجزء من منظومة عنف متكاملة تشمل تسريبات معلوماتية داخل المؤسسة التي يعمل بها، ومطاردات قضائية دامت أربع سنوات خاضتها المدعية أو المحققة (جفرا يونس) لإحضاره إلى قوس العدالة.
تنطلق الحبكة الدرامية للعرض من فضاء محاكمة مغلق يتسع تدريجيًا ليعري البنية الأخلاقية للمجتمع بأسره
تكشف تفاصيل المحاكمة أن إقامة هذه الجلسة تعثرت مرارًا وتكرارًا بسبب تعطيل العقول والضمائر قسرًا في تلك البيئة المضطربة. وتتداخل الجريمة الفردية مع سياق خارجي يتسم بسيطرة الميليشيات المسلحة، حيث يتبدى هذا الأثر عبر إشارة النص إلى قيام إحدى المجموعات بنشر بيان مصور على منصات التواصل الاجتماعي يتبنى عملية اختطاف لرهائن ويطالب بفدية مالية ضخمة ونسبة مئوية من أرباح المؤسسة مقابل الإفراج عنهم.
يبرر غياث أفعاله بدافع الأنانية الفردية المنقذة؛ فهو أراد حماية ابنته الوحيدة وتجنيبها مصير الحرمان واليتم بعد فقدان والدتها، رافضًا تحمل ذنب المنظومة بمفرده وملقيًا اللوم على المجتمع الذي يرى فيه مجرد وحش بشري.
الدراماتورجيا وصناعة النص
تتألق الكاتبة ديما أباظة كدراماتورج ومشاركة في كتابة النص، حيث قامت بتحويل هذه المادة الفلسفية إلى حوارات مشدودة وصدامات بين المتهم والمدعية. لم يُكتب النص بشكل مسبق ومغلق، بل جرى تطوير الحكاية وبناء تفاصيلها بالتوازي مع انطلاق البروفات داخل دار الأوبرا، ما منح العرض حيوية الورشة المسرحية والتفاعل المباشر مع حركة أجساد الممثلين وتدفق طاقاتهم فوق الخشبة.
نجحت الدراماتورجيا في تحويل النص من مجرد سرد توثيقي لجريمة أو استعراض لقضية خطف، إلى مرافعة فلسفية تفكك الاستعارات والرموز الدينية والإنسانية. ويبرز هنا التوظيف الذكي للعبارة الإنجيلية الشهيرة "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولًا بحجر" كعتبة تأويلية كبرى للعرض.
هذا الرمز الديني يتحول على الخشبة إلى أداة لمساءلة الجمهور: هل يملك أي فرد في هذا الفضاء العام يدًا طاهرة تمامًا ليقذف بها المتهم؟ وهل يمكن فصل سلوك غياث العنيف عن البنية الهيكلية العنيفة التي أنتجته وأجبرته على التواطؤ؟ لقد استطاعت أباظة عبر هذا البناء الدراماتورجي المتقن تفتيت الأحكام الأخلاقية الجاهزة، ووضع المتلقي في مواجهة مباشرة مع أسئلة العدالة الانتقالية والصدمات النفسية اللاحقة بالحروب.
فيزياء العنف وبلوى الاعتياد البشري
الأطروحة الفلسفية الأعمق التي يركز عليها العرض تتخطى رصد الفعل العنفي المباشر لتركز على فكرة "الاعتياد على العنف". يبحث العرض في الكيفية التي يتجذر بها السلوك الوحشي داخل العقلية البشرية، ليتحول من فعل طارئ ومستهجن إلى ممارسة يومية روتينية تبررها غريزة البقاء والنجاة فوق خشبة المسرح وفي الحياة الواقعية على حد سواء.
تطرح المسرحية تساؤلًا مرعبًا: كيف يتحول الإنسان البسيط الذي يطمح لحياة هادئة، إلى أداة ميكانيكية لتنفيذ الإعدامات بدم بارد؟ تكمن الكارثة، كما يقدمها العرض، في تلك اللحظة التي يفقد فيها المجتمع قدرته على الاستهجان الأخلاقي، حيث يتعطل وعي الأفراد ويجبرون على التكيف مع الممارسات الوحشية بوصفها قدرًا لا يمكن رده.
هذا الاعتياد المشوه يخلق بيئة خصبة لانتشار العنف وتجذره، بحيث يصبح القتل وسيلة مشروعة للنجاة والدفاع عن المصالح الضيقة، ما يترك ندوبًا نفسية واجتماعية عميقة تجعل من فكرة استعادة الأمن والسكينة الاجتماعية في المستقبل أمرًا غاية في الصعوبة والتعقيد.
الالتحام الأدائي: جفرا يونس وخالد شباط في مواجهة
يتحرك العرض ويمسك بأنفاسه عبر ثنائية أدائية فائقة وعالية الحساسية جمعت بين خالد شباط وجفرا يونس. تميزت هذه الشراكة بالتحرر الكامل من الانفصال الأناني فوق الخشبة؛ إذ كان كل ممثل يمثل صدى نفسيًا للآخر، يتبادلان الشحنات التعبيرية والتوترات العاطفية لضبط المشاهد بدقة لافتة.
نجح خالد شباط في تقديم شخصية غياث بأداء مركب ومتدرج يتأرجح بين الضعف البشري والبلادة الحسية التي تلت ارتكابه للجرائم. واستطاع عبر تعابير وجهه المنهكة وحركة جسده المحاصرة تجسيد المأزق الإنساني لرجل ممزق بين غريزة الأبوة الحانية وفضاعة الجرم المشهود.
وفي المقابل، ظهرت جفرا يونس بحضور مسرحي لافت وصلابة أدائية متميزة، مجسدة شخصية المحققة أو المدعية بنبرات صوتية حادة ونظرات تعبر عن رغبة عارمة في كشف التواطؤ واقتناص الحقيقة، دون أن تفقد الشخصية إنسانيتها أو تقع في فخ الرتابة الجافة.
ولم يكن هذا الثنائي معزولًا، بل دعمه حضور متزن لبقية الممثلين في العرض: مجدي المقبل، وأحمد شعيب الدرويش، وغرام أبو فاعور، الذين ساهموا بأدائهم المنسجم في إضفاء مزيد من الواقعية والعمق على مجريات الأحداث وتكامل بناء العرض المسرحي.
سينوغرافيا الحصار وتطويع الفضاء البصري
تضافرت عناصر الرؤية البصرية في مسرحية "من يرمي الحجر الأول؟" لتقديم دلالات رمزية موازية تعمق المناخ النفسي العام للعمل. السينوغرافيا التي أشرفت عليها يارا أبو كرم، متكاملة مع تصميم الأزياء والمكياج، ابتعدت تمامًا عن النقل الحرفي والواقعي لقاعات المحاكم، متجهة نحو التبسيط والتقشف التعبيري لتكثيف الأثر الدرامي والرمزي.
كما اعتمد الفضاء المسرحي على خطوط هندسية حادة تعكس معاني الحصار والضيق الأخلاقي والروحي الذي تعيشه الشخصيات، فيما فرضت الألوان القاتمة والملابس المحايدة شعورًا دائمًا بالبرد النفسي والعزلة الوجودية.
في موازاة ذلك، لمع تصميم الإضاءة، الذي وقعه محمد نور درا، كعنصر حركي يسهم بفاعلية في عملية الاستجواب والتعرية النفسية فوق الخشبة. لم تكن الإضاءة مجرد أداة إنارة تقنية، بل استخدمت بذكاء عبر تسليط بقع ضوئية مكثفة من الأعلى تعري الشخصيات وتكشف عن اضطرابات ملامحها وتفاصيل تعبيراتها المجهرية الدقيقة تحت وطأة المحاكمة.
تضافرت عناصر الرؤية البصرية في مسرحية "من يرمي الحجر الأول؟" لتقديم دلالات رمزية موازية تعمق المناخ النفسي العام للعمل
في حين شكلت الظلال المرتسمة على جدران القاعة حواجز وهمية تشير إلى القوى والظروف المحيطة غير المرئية التي تتحكم بمصائر الأفراد من وراء الستار. هذه السينوغرافيا البصرية والضوئية المتقشفة نقلت المتفرج إلى تجربة حسية مباشرة ألغت المسافة الجمالية المعتادة، وجعلت من الفضاء مكانًا حيًا ينبض بالتوتر والترقب.
التجربة الإخراجية الأولى ورهان الأجيال الصاعدة
تشكل المسرحية محطة مفصلية واختبارًا حقيقيًا في المسيرة الفنية للفنان فادي الحواشي، كونه يخوض تجربته الإخراجية المسرحية الأولى الموجهة للجمهور العريض بفرقة من المحترفين. المخرج الشاب، الذي تشكل وعيه الأكاديمي والعملي سابقًا خلف أروقة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، واجه تفاصيل هذا المشروع بمزيج من التوتر المبدع، والتعلم المستمر، مستفيدًا من مرونة العمل وتطوير الحكاية بالتزامن مع فترة البروفات.
أثبت الحواشي من خلال هذه الخطوة شجاعة إخراجية ملموسة، ليس فقط باختيار موضوع شائك يفجر نقاشًا حادًا حول ماهية العنف وقيم العدالة، بل بقدرته على قيادة طاقم عمل شاب مفعم بالحيوية والجرأة، بمساعدة المخرج براء بدوي.
إن المراهنة على الطاقات الشابة وتكليفها بمسؤولية قيادة العروض داخل فضاءات، مثل دار الأوبرا، تساهم بشكل حيوي في ضخ دماء جديدة في المشهد الثقافي السوري. هذه المبادرات تمهد الطريق لولادة مسرح بديل يبحث عن هويته وصوته الخاص بعيدًا عن القوالب الكلاسيكية، محاولًا استقطاب أجيال جديدة ترفض الانصياع للأنماط المألوفة وتسعى لطرح همومها وتطلعاتها بحرية وجرأة إبداعية.
يخرج المشاهد من مسرحية "من يرمي الحجر الأول؟" مثقلًا بأسئلة شائكة تتجاوز حدود الخشبة؛ فالعمل لا يمنح الجمهور إجابات مريحة، بل يتركه وحيدًا في مواجهة مرآته الخاصة ومسؤولياته الأخلاقية تجاه العنف الذي يحيط به. ومن خلال تكامل طاقمه الفني وتناغم أداء أبطاله مع رؤية إخراجية طموحة، يؤكد هذا العرض أن المسرح السوري، رغم كل الانكسارات، لا يزال قادرًا على تفكيك جراحه بشجاعة فائقة وصياغة أسئلة المستقبل بجرأة تليق بمبدعيه.
الكلمات المفتاحية
"بي بي سي": خيوط "العنكبوت".. 155 رقمًا في رحلة تعقّب حسام لوقا
انطلاقًا من دفتر هواتف، وبعد تتبع استمر أشهرًا، يكشف تحقيق لـ"بي بي سي" وجود حسام لوقا، أحد أبرز مسؤولي أجهزة الاستخبارات في نظام بشار الأسد، داخل روسيا
زيت الوقود العراقي إلى الولايات المتحدة عبر سوريا.. مكاسب محتملة تصطدم بعقبات التنفيذ
يعيد عبور زيت الوقود العراقي عبر بانياس طرح سوريا بوصفها مسارًا للتصدير نحو الولايات المتحدة، لكن ضعف البنية والاستثمارات والتحديات الأمنية يؤجل تحويلها إلى ممر دائم
الأمن الداخلي يعلن توقيف عصابة لخطف رجال الأعمال والتجار في ريف دمشق
ألقت قوى الأمن الداخلي القبض على عصابة منظمة مؤلفة من ثمانية أشخاص، تمتهن خطف رجال الأعمال والتجار وأصحاب المنشآت
نساء وأطفال في مواجهة العنف الأسري.. أين يقف القانون السوري؟
يتسع العنف الأسري في سوريا وسط غياب تشريع مستقل يجرّمه، ما يفاقم آثاره على النساء والأطفال ويعزز المطالب بالحماية والتوعية ومحاسبة مرتكبيه والحد من انتشاره