ultracheck
مجتمع واقتصاد

موائد متواضعة وذكريات مؤلمة.. رمضان العائدين إلى معرة النعمان

15 مارس 2026
معرة النعمان
لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري (الجزيرة/الترا سوريا)
محمد موسى ديب
محمد موسى ديب كاتب صحافي سوري

يدخل الحاج أبو غسان طحبش منزله المدمر، وهو منحدر من بلدة معرشورين في ريف معرة النعمان الشرقي جنوبي إدلب، مستذكرًا لمّة العائلة على المائدة الرمضانية، وما حصل بمنزله بعد ترميمه جزئيًا، محاولًا إعادة الحياة رغم غياب "الأحباب والخلّان"، وفق تعبيره.

لم يعد شهر رمضان بالنسبة للعائلات العائدة من مخيمات الشمال السوري بعد سقوط النظام شهر البهجة المنتظرة، خصوصًا أن غصّة الفقد والدمار والذكريات أصبحت حاضرة لدى كل أفراد المجتمع، فدمارٌ من جهة، وغيابٌ لذوي العائدين الذين فقدتهم بسبب الحرب من جهة أخرى.

موائد رمضان بين العودة وذكريات الفقد

يقول حسان رمضان أبو قدور، صاحب بسطة خضار في مدينة معرة النعمان، لموقع "الترا سوريا"، إن شهر رمضان هذا العام يمرّ على عائلته بهدوء مختلف عمّا كان عليه قبل سنوات، إذ ما تزال آثار الدمار حاضرة في الحي الذي عادوا إليه بعد سنوات النزوح.

ويوضح أن بهجة المائدة الرمضانية لم تعد كما كانت، فجزء كبيرٌ من الحارة ما يزال مدمّرًا. كما فقدت العائلة أحد أفرادها إثر قصفٍ لقوات نظام الأسد البائد خلال سنوات الثورة، وهو ما يجعل أجواء رمضان ممزوجة بالعودة من جهة، وذكريات الفقد من جهة أخرى.

ويضيف أبو عوض، أحد أهالي مدينة معرة النعمان العائدين حديثًا، أن شهر رمضان في الأحياء العائدة يمرّ هذا العام وسط صعوبات خدمية ومعيشية واضحة، في ظل الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة خلال سنوات الثورة، ويوضح أنه يعمل كعامل مياومة في إزالة الأنقاض أو في أعمال البناء لتأمين دخل بسيط يعيل به أسرته.

ويشير إلى أن تأمين احتياجات المائدة الرمضانية لم يعد أمرًا سهلًا، فالدخل اليومي غالبًا ما يكون محدودًا مقارنة بارتفاع الأسعار، إذ تحتاج عائلة صغيرة إلى أكثر من 30 دولارًا يوميًا لتأمين متطلباتها الأساسية. وأضاف أبو عوض أنه في أحد الأيام، قبل الإفطار بساعتين، لم يتمكن من الحصول على الخبز من الأفران، ما اضطره لشرائه من البسطات بسعر أعلى.

يختصر أبو عوض، في حديثه لـ"الترا سوريا"، شعور كثير من العائدين بالقول إن العودة إلى المدينة تحمل فرحة الرجوع إلى البيت، لكنها تبقى ممزوجة بغصّة الواقع الخدمي الصعب الذي يفرض نفسه حتى على تفاصيل المائدة الرمضانية.

الأسعار تغيّر شكل السفرة الرمضانية

يقول بدر يوسف قشيط، من أهالي مدينة معرة النعمان، لـ"الترا سوريا"، إن الغلاء بات الحاضر الأبرز في حديث الناس خلال رمضان، مشيرًا إلى أن البسطة الصغيرة التي يعمل عليها لبيع الحلويات بالكاد تؤمّن له دخلًا بسيطًا. ويوضح أن ارتفاع أسعار المواد يجعل الإقبال على شراء الحلويات أقل مما كان عليه في السابق، إذ تفضّل كثير من العائلات الاكتفاء بما هو ضروري لمائدة الإفطار.

ولفت قشيط إلى أن ظروفه المعيشية تزداد صعوبة، خاصة أن منزله ما يزال مدمّرًا ولا يستطيع استئجار منزل يتجاوز 100 دولار أو أكثر شهريًا، فضلًا عن كونه مصاب حرب، ما يضطره إلى الاكتفاء بموائد رمضانية بسيطة لا تشبه ما كانت عليه قبل سنوات.

من جانبه، يوضح بلال المعري، وهو رب أسرة مكوّنة من خمسة أفراد ويعمل سائق تكسي عمومي على سيارة ليست ملكًا له، أن دخله اليومي يتراوح بين ثمانية إلى عشرة دولارات فقط، وهو مبلغ لا يكفي لتأمين احتياجات عائلته الأساسية.

ويشير المعري، في حديثه لـ"الترا سوريا"، إلى أن العائلة تحاول خلال رمضان الحفاظ على بعض الطقوس المعتادة، لكن المائدة غالبًا ما تبقى متواضعة بسبب ارتفاع الأسعار، إذ يضطر كثير من الأهالي إلى تقليص ما يشترونه من طعام والاكتفاء بالأصناف الأساسية.

أسواق الأحياء العائدة.. حركة حذرة على أبواب الإفطار

في أسواق معرة النعمان التي عاد إليها بعض النشاط مع عودة الأهالي، تبدو حركة البيع والشراء مختلفة هذا العام، فمع اقتراب موعد الإفطار، يمرّ كثير من الأهالي على البسطات بحثًا عن احتياجات أساسية لموائد رمضان، لكن بحسابات دقيقة تفرضها الظروف المعيشية وارتفاع الأسعار.

ويشير إبراهيم سرجاوي، وهو صاحب بسطة لبيع الخضروات في أحد أسواق المدينة، إلى أن تقلب الأسعار يوميًا يجعل العمل غير مستقر، إذ يضطر أحيانًا للبيع بهامش ربح بسيط كي يحافظ على استمرار عمله. بينما يوضح إبراهيم ريحاني، بائع مواد غذائية على بسطة صغيرة، أن ضعف القدرة الشرائية لدى الأهالي بات واضحًا، إذ يكتفي كثير من الزبائن بشراء كميات قليلة جدًا من المواد الأساسية.

وبين تقلب الأسعار وضعف القدرة الشرائية، تبدو موائد رمضان في الأحياء العائدة أبسط مما كانت عليه، في ظل واقع خدمي واقتصادي ما يزال يلقي بظلاله على تفاصيل الحياة اليومية. ورغم كل هذا، يظل تمسك الأهالي بالعادات الرمضانية البسيطة رسالة قوية بأن الحياة تستمر، وأن العودة ليست مجرد مكان، بل محاولة لإعادة ترتيب تفاصيل الوجود ودفء البيت وسط تحديات الأيام.

في الختام، تعكس موائد الإفطار اليوم للأهالي العائدين لمدنهم المدمرة واقعًا ومرآةً للحياة التي يعيشها الأهالي، لتندمج الفرحة بالعودة مع غصّة اللقاء وصعوبات المعيشة وتسقط على مائدة رمضان التي لها طقوسًا، خاصة لدى الأهالي.

أقرأ/ي أيضًا: إدلب تستقبل العائدين من الخارج.. أزمات السكن والعمل والخدمات تعيد طرح سؤال الاستقرار

أقرأ/ي أيضًا: سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي

الكلمات المفتاحية

الحراقات البدائية

دير الزور بين إيقاف الحراقات البدائية وتداعيات الأزمة المعيشية والبيئية

يفاقم إيقاف الحراقات البدائية في دير الزور أزمة الوقود رغم تخفيف التلوث، ويرفع الأسعار ويزيد الضغوط الاقتصادية على الأهالي


أزمة غاز

أزمة الغاز في حماة: سوق سوداء نشطة وخسائر متزايدة للمطاعم والمحال

سجلت مدينة حماة وريفها أزمة غاز غير مسبوقة في ظل نقص التوريد وارتفاع الأسعار، ما يضغط على المعيشة ويهدد النشاط التجاري والخدمي بشكل متزايد


صندوق التمنية السوري ومصرف سوريا المركزي

أبعد من جدل غسان عبود: كيف يُدار الاقتصاد في سوريا؟

يرصد التقرير جدل تصريحات عبود، ويحلل إدارة الاقتصاد في سوريا بين الإصلاحات المعلنة وغموض القرار والشفافية خلال المرحلة الانتقالية


مستشفى الكلية الجراحي

المشافي العامة في سوريا: نفي رسمي للخصخصة وسط مخاوف شعبية

يكتسب هذا الموضوع أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتحديات التي يواجهها القطاع الصحي نتيجة سنوات من الحرب

الكرامة والوحدة
منوعات

في الدوري الممتاز: الكرامة يحسم قمة الجولة وأهلي حلب يعلن تعليق مشاركته

شهدت أولى جولات مرحلة الإياب فوز الكرامة على الوحدة وتعادل الجيش وتشرين، مقابل تصاعد أزمة أهلي حلب وتعليق مشاركته رسميًا

الإيزيدية
فيديو

من تلوين البيض إلى إنهاء الخصومات.. كيف احتفل شرق سوريا بالعام الإيزيدي الجديد؟

أحيا أبناء المجتمع الإيزيدي في مناطق شرق سوريا طقوس عيد "الأربعاء الأحمر" إيذانًا ببدء رأس السنة الإيزيدية الجديدة وسط أجواء احتفالية وتجمعات شعبية حاشدة


سجون الأسد
عدالة انتقالية

الناجون من سجون الأسد في مواجهة الفراغ المؤسسي وغياب الرعاية الصحية

يكشف انتحار معتقل سابق معاناة الناجين من سجون الأسد وسط غياب الرعاية وتبادل المسؤوليات واستمرار الفراغ المؤسسي دون حلول فعلية

مازن الناطور
منوعات

حوار| مازن الناطور: القرار في النقابة ليس صوتًا واحدًا.. والحزم ضرورة في بعض المواقف

في هذا الحوار مع نقيب الفنانين السوريين مازن الناطور، لم يطرح موقع "الترا سوريا" الأسئلة فقط، إنما فتح النوافذ على مرحلة كاملة، بكل ما فيها من ارتباك وأمل

الأكثر قراءة

1
سياسة

ما الذي يجري في السويداء وأين صار مشروع الهجري؟


2
فيديو

اعتصام "قانون وكرامة" في دمشق يواجه احتجاجًا مضادًا ومطالب بتفعيل مسار العدالة


3
أخبار

زيارة وفد حكومي لسجون الحسكة تمهيدًا لدمجها ضمن المنظومة القضائية الرسمية


4
أخبار

ضبط صواريخ وأسلحة متنوعة.. وزارة الداخلية تعلن تفكيك خلية مرتبطة بـ"حزب الله" في القنيطرة


5
أخبار

مقتل 3 مدنيين برصاص مجهول في اللاذقية وحمص خلال 24 ساعة


advert