موسم الطير الحرّ في شمال شرقي سوريا.. بين الإرث العائلي والبحث عن الربح
1 نوفمبر 2025
مع أولى نسمات الخريف، تستيقظ هضاب ديرك وأوديتها الصغيرة على حركة الصيادين الذين يتهيّأون لانطلاق موسم صيد الطير الحرّ (الصقر)، الممتد حتى نهاية كانون الأول/ديسمبر. في شمال شرقي سوريا، لا يُعد الصيد مجرّد هوايةٍ موسمية، بل هو إرث عائلي يتوارثه الأبناء عن الآباء، ومورد رزقٍ يعينهم على مواجهة مواسم الجفاف وانحسار المراعي.
بين المخاطر البيئية والحدودية واليومية، يظل موسم الطير الحرّ رحلةً مزدوجة بين الحاجة الاقتصادية والرغبة في الحفاظ على التراث. يقول آزاد مراد (38 عامًا)، من مدينة ديرك، بينما يجهّز شبكته المثبّتة بعناية على حافة تَلّةٍ: "نبدأ التحضير منذ منتصف أيلول؛ إذا اصطدنا طيرًا حرًا يمكن أن يؤمّن دخلًا شهريًا كاملًا أو أكثر".
الصيد إرثٌ وعملٌ يومي
تقع مدينة ديرك في أقصى شمال شرقي سوريا، عند التقاء الحدود التركية والعراقية، محاطة بطبيعةٍ تجمع بين الهضاب المرتفعة والمراعي الشاسعة والأودية الصغيرة التي تشق الأرض كخطوطٍ فِضّية. في هذه التضاريس يبدأ يوم الصيادين الذين يقفون عند حافة التلال بعينين حادتين ومعداتٍ بسيطة: شبكاتٌ مثبتة على أعمدةٍ خشبية، فخاخٌ صغيرة، وطُعمٌ حي يوضع بدقة لجذب الطيور.
ومع تقدّم الموسم تمتدّ رحلات الصيد من ديرك غربًا نحو رميلان، ثم جنوبًا إلى القامشلي، وصولًا إلى صحراء الشدادي وتل حميس، يمارس معظم الصيادين نشاطهم في مناطقهم المعتادة التي يعرفون تضاريسها جيدًا وإن كانوا أحيانًا ينتقلون إلى مناطق أخرى بحثًا عن أنواع مختلفة من الطيور أو فرص أفضل للصيد.
خبرةٌ ومخاطر يومية
يعتمد الصيادون على خبرتهم الطويلة في تتبّع مسارات الطيور المهاجرة وتحديد أوقات مرورها؛ يستخدمون أدواتٍ تقليدية، فيما يلجأ بعضهم إلى طيورٍ صغيرة مدرّبة لجذب الفرائس. في قرية عين ديوار الحدودية القريبة من ديرك، يروي حاجي كوري (52 عامًا) وهو يراقب الأفق بعينٍ لا تهدأ: "الطيور لا تأتي دائمًا حيث نريد؛ علينا الانتظار والمراقبة، وأحيانًا نقضي يومًا كاملًا دون صيد".
ويضيف حاجي في حديثه لـ"الترا سوريا": "نصطاد غالبًا عند الفجر والمساء؛ الطيور تتحرك بحرية فوق أراضينا، لكن الحدود تحاصرنا؛ في بعض الأيام نترك الشبك فارغًا بعد مراقبة طويلة، والقلق يرافقنا طوال الرحلة".
الجفاف يبدّل معادلات الصيد
يُضاف إلى تحديات الصيادين الجفاف المستمر في شمال شرقي سوريا، الذي جعل المراعي أكثر قحطًا والمياه السطحية أكثر ندرة. يقول حاجي: "في الماضي، كان الصيد نشاطًا ثانويًا بجانب الزراعة، أما اليوم فأصبح ضرورة؛ الأرض لم تعد تنتج كما كانت، والطير الحرّ قد يكون الفرق بين موسمٍ صعبٍ وآخرٍ أقلّ معاناةً".
ويتابع: "حتى هنا في عين ديوار، على ضفاف نهر دجلة، تراجعت الجداول الصغيرة التي كانت تمرّ بين المراعي والوديان المحيطة؛ لم تعد الطيور تجد نفس الموائل، وأحيانًا ننتظر يومًا كاملًا دون صيد، أو نعود بخسارة بعد تعبٍ طويل".
الصيد والتجارة: ربحٌ محفوفٌ بالمخاطر
تركّز الرحلات على صيد طيورٍ جارحة مثل الحدأة والشاهين، إضافة إلى الحمام البري والحبارى. وتختلف قيمة كل نوعٍ في السوق، إذ قد تصل أسعار بعض الطيور النادرة إلى عشرات آلاف الدولارات، ما يجعل الصيد تجارةً موسمية محفوفة بالمخاطر ومصدرَ إغراءٍ يصعب مقاومته.
بعد الصيد، تبدأ رحلة الطيور نحو الأسواق المحلية والإقليمية. بعضها يُباع لتجارٍ في الداخل، فيما يُهرَّب البعض الآخر عبر الحدود نحو العراق أو تركيا. وغالبًا ما يسيطر الوسطاء على الجزء الأكبر من العائدات، تاركين الصيادين بأرباحٍ محدودة مقارنةً بالمخاطر التي يتحملونها.
يقول آزاد مراد لـ"الترا سوريا"، معبّرًا عن التحول الذي فرضته الظروف الاقتصادية والجفاف: "كنتُ أصطاد لأجل المتعة قبل سنوات، لكن اليوم أصبح الصيد ضرورة؛ كل موسم يحمل معه صبرًا وطريقةَ حياةٍ تتوارثها العائلات، بين حفظ الإرث وتلبية الحاجة".
المخاطر البيئية والقانونية
قرب ديرك من الحدود التركية يزداد المشهد تعقيدًا؛ فالدوريات والأسلاك والمساحات المحظورة تجعل من الصيد مغامرةً حقيقية. بعض الصيادين فقدوا معداتهم أو أصيبوا أثناء الاقتراب من المناطق المحظورة، بينما لا تزال الحدود مسرحًا لحوادث متكررة. يقول آزاد بابتسامةٍ يغمرها الأسى: "الطيور تتحرك بحرية، لكننا لا نستطيع ذلك. أحيانًا نراها تمر فوق الجدار ولا نقدر على متابعتها".
ويحذّر ناشطون بيئيون من أن الصيد الجائر يهدّد توازن الحياة البرية في المنطقة. يوضح محمد حسو، ناشط بيئي من القامشلي، لـ"الترا سوريا" أن "تحويل الصيد إلى تجارةٍ غير منظّمة يُربك النظام البيئي؛ بعض أنواع الصقور لم تعد تظهر كما في السابق، وهذا إنذارٌ مبكر يستدعي تدخلًا سريعًا".
حياةٌ تدور حول الطيور
موسم الطير الحرّ لا يتعلق فقط بالربح أو المغامرة، بل بالحياة اليومية لأسرٍ تعيش على هامش الريف الشرقي؛ يقول يوسف إلياس، وهو أيضًا أحد صيادي ديرك، لـ"الترا سوريا": "هذا الموسم بالنسبة له أكثر من مهنةٍ موسمية؛ إنه طقسٌ ممتد من الماضي إلى الحاضر".
يتحدث بابتسامةٍ عن أيامٍ كان يخرج فيها مع أصدقائه قبل طلوع الشمس، يحملون شباكهم ومرقابهم وشيئًا من الطعام، فيتتبعون حركة الطيور عبر الوديان والسهول الممتدة نحو الحدود. كانوا يشوون ما اصطادوه على الحطب ويأكلونه تحت ظلال التلال، بينما تحوم النسور فوقهم كأنها تراقب طقوسهم القديمة.
اليوم، يعود يوسف من رحلاته الطويلة محمّلًا بما اصطاد، فيستقبله أطفاله عند باب البيت وهم يتسابقون لمعرفة نوع الطيور التي جلبها. ثم يخرج معهم إلى السطح، حيث يقومون بتنظيف الطيور من الريش وتجهيزها للطهي، فيتحوّل التعب إلى حكايةٍ عائلية تمتدّ من الطفولة حتى هذا الموسم الذي لا يشبه أي موسمٍ آخر.
من ديرك مرورًا برميلان والقامشلي وصولًا إلى صحراء الشدادي وتل حميس، يبقى موسم الصيد رحلةً مزدوجة بين الحاجة الاقتصادية والرغبة في الحفاظ على التراث. وبينما يواصل الصيادون بحثهم عن طائرٍ قد يغيّر موسمهم، تدفع البيئة ثمن هذا السباق الهادئ بين الإنسان والطبيعة، لتذكّرنا بأن الإرث والحاجة لا بد أن يتوازنا مع الحفاظ على الحياة البرية.
الكلمات المفتاحية

سوق الحميدية: جدل بين صيانة السقف وحماية التراث
الأمر لا يتعلق بسقف فقط، بل بمعلم تراثي حي يشكّل جزءًا من ذاكرة المدينة القديمة

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

زلزال 2023: ثلاث سنوات على المأساة التي كشفت هشاشة المنطقة وأزمة الاستجابة العالمية
تحلّ اليوم الذكرى الثالثة للزلزال المدمّر الذي ضرب شمالي سوريا مخلفًا واحدة من أعنف الكوارث الإنسانية في تاريخ المنطقة الحديث

حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي
لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك

مجهولون يهاجمون صالة ألعاب في ريف حمص وقوى الأمن تواصل تحقيقاتها
تواصل الجهات الأمنية التحقيق في الهجوم المسلح الذي استهدف صالة ألعاب على طريق عين الخضرا في مدينة تلكلخ بريف حمص الغربي

الخارجية الهولندية: تغيّرات واسعة في المؤسسات والأمن وحقوق الإنسان بسوريا خلال 2025
خلص تقرير وزارة الخارجية الهولندية إلى أن المرحلة الانتقالية في سوريا لا تزال هشة، وأن التطورات الإيجابية التي شهدتها البلاد خلال عام 2025 ترافقها تحديات بنيوية عميقة

ملف الانتهاكات في ملعب الرقة البلدي يعود إلى الواجهة بعد توثيق تعذيب شابين
أفاد نشطاء حقوقيون عبر منصات التواصل الاجتماعي بتعرّض شابين لاعتداء وتعذيب داخل ملعب الرقة البلدي


