نمو اقتصادي ضئيل وهش.. كيف يرى خبراء الاقتصاد السياسات المالية الحالية؟
8 ديسمبر 2025
في خضم التحليلات المتصاعدة حول مستقبل الاقتصاد السوري، جاءت توقعات البنك الدولي لنمو اقتصادي لا يتجاوز 1% في عام 2025 لتعيد النقاش حول حقيقة الوضع الاقتصادي، وفعالية السياسات المتبعة، ومدى قدرة الدولة على تحقيق نمو مستدام، في ظلّ تحديات مالية وهيكلية معقدة. هذه النسبة المتواضعة أثارت تساؤلات حول المسار الاقتصادي الراهن، فهل يمثل هذا النمو بوادر تعافٍ حقيقي؟ أم أنه مجرد انعكاس لحالة استقرار هش يخفي خلفه مشكلات أعمق؟
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي، عامر شهدا، أن نسبة النمو 1% جاءت في سياق حديث دبلوماسي وبروتوكولي فقط، فهناك قاعدة اقتصادية تقول إذا ما قسمنا 72 على نسبة النمو، نحصل على المدّة اللازمة لنمو كامل. ووفقًا لتوقع البنك الدولي، إذا قسمنا 72 على 1 ذلك يعني أن سوريا تحتاج إلى 72 سنة للوصول إلى ناتج محلي جيد! لذلك يبدو أن السياق الذي ذُكرت فيه هذه النسبة لا يتعدى كونه سياق دبلوماسي. أما إذا ما أردنا أن نقيس النمو فيجب الاطلاع على الميزان التجاري وميزان المدفوعات، اللذين نستطيع من خلالهما قياس النمو الاقتصادي.
ويقرأ الباحث الاقتصادي ومدير عام مجموعة الجودة للدراسات، ماجد شرف، توقّع البنك الدولي نمو اقتصادي 1% لعام 2025، على أنه توقعًا متحفظًا، لكنه واقعي بالنظر إلى الظروف الحالية التي تمر بها البلاد. ويأتي هذا النمو المتواضع بعد انكماش بنسبة 1.5% في 2024. ويعكس استمرار التحديات الكبيرة مثل الأوضاع الأمنية الهشة، نقص السيولة المالية، وتعليق المساعدات الخارجية. هذه العوامل، بحسب شرف، تحجم قدرة الاقتصاد على التعافي السريع، رغم بعض المؤشرات الإيجابية مثل الإصلاحات المالية المبكرة وفرص رفع العقوبات المحتملة.
يتحدث خبراء الاقتصاد عن إصلاحات ملّحة يحتاجها الاقتصادي السوري من بينها تحرير السوق بشكل شامل بما في ذلك سوق العملات الأجنبية
ويرى شرف أن النمو بنسبة 1% يعبر عن تعافٍ محدود وهش، لا يكفي لاستعادة ما فقده الاقتصاد السوري من الناحية الهيكلية والاجتماعية خلال سنوات النزاع، إذ يواجه الاقتصاد تبعات تآكل القاعدة الاقتصادية وتوسع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع معدلات الفقر بشكل كبير.
ويعتبر شرف أن هذا التوقع يبدو واقعيًا، لأنه يأخذ بالحسبان العقبات الجوهرية والمعوقات الهيكلية والمالية والسياسية، بينما في الوقت ذاته، يعكس تفاؤلًا حذرًا بفضل بعض الإصلاحات الحكومية وإمكانية تحسن العلاقات الإقليمية وتخفيف العقوبات مستقبلًا. وبالتالي نسبة 1% تعكس حالة من الاستقرار النسبي في ظل وضع صعب، لكنه ليس مجزيًا ولا متفائلًا بدرجة مبالغ فيها، بل يعبر عن نظرة متوازنة بين الفرص والتحديات الراهنة التي تواجه سوريا. في حين أن النمو الاقتصادي الحقيقي والسريع يحتاج إلى تحسن أمني، زيادة الاستثمارات الخارجية، دعم مباشر في القطاعات الحيوية، وإدارة فعالة للموارد، بحسب رأيه.
ضعف في السياسات الضريبية والمالية
من جانب آخر، يتحدث خبراء الاقتصاد عن مجموعة من نقاط الضعف في السياسات المالية الحالية، من بينها، وفقًا للخبير الاقتصادي والمصرفي شهدا، السياسة الضريبية التي تتوجه نحو تحصيل ضريبي من أصحاب الدخل المحدود، وبالتالي منح الإعفاءات لأصحاب الدخول العالية، وهذه من أعمق المشاكل الضريبية، على حدّ تعبيره. ورغم أن وزير المالية قد بدأ بمعالجة هذه المشكلة وهناك مؤشرات لهذه المعالجة، لكنها وحدها لا تكفي، بحسب شهدا، وذلك لا يحول نقطة الضعف إلى نقطة قوة، على اعتبار أن الملاحظ هو ترجيح الكفة لصالح الأغنياء، رغم أنها يجب أن تكون راجحة لصالح أصحاب الدخل المحدود والمتدني.
ويرى شهدا أن عملية الاستعاضة التي تقوم بها الحكومة المؤقتة لا يمكن أن تحلّ محل الإصلاح الإداري والإصلاحات الهيكلية، والتي تحتاج لخطط استراتيجية وسياسات واضحة. ويعتقد أن الإصلاحات الهيكلية يجب أن تراعي بنيوية المؤسسة، فإصدار مراسيم عدّة لهيئات مختلفة، وخصوصًا الهيئات المتعلقة بإدارة الاقتصاد، يؤدي إلى تضارب بين عمل الهيئات والوزارات، وبالتالي عدم استقلالية بالعمل وخلق خلل بنيوي ضمن هيكلية الوزارة.
ويشير الباحث الاقتصادي شرف إلى جملة من النقاط التي يعتبرها نقاط ضعفٍ في السياسة الاقتصادية، وعلى رأسها، الفراغ الذي تعاني منه خزينة الدولة والمتمثل في الإيرادات المحلية، حيث تغطي هذه الإيرادات أقل من 40% من نفقات الدولة، ما يجعل الدولة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات الخارجية لتمويل الإنفاق الجاري، إلى جانب العجز المالي المرتفع جدًا، حيث يصل إلى حوالي 10.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يشير إلى أن الدولة تنفق أكثر مما تحصد، ويذهب جزء كبير من الإنفاق إلى الرواتب ودعم الطاقة بدلًا من الاستثمار في البنية التحتية أو التنمية الإنتاجية.
ويعتقد شرف أن ضعف القدرة على إدارة السيولة النقدية وسعر الصرف، يعد أيضًا من نقاط الضعف، إذ يواجه البنك المركزي صعوبة في ضبط سعر صرف الليرة مقابل الدولار، ما يؤدي إلى تآكل الثقة في العملة المحلية وانتشار الاقتصاد الموازي واستخدام الدولار في السوق الداخلية. إضافة إلى انخفاض الاحتياطيات الأجنبية إلى أقل من مستلزمات استيراد شهر واحد، ما يقيد قدرة السياسة النقدية ويزيد من تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية، وارتفاع الدين العام الذي يقارب 165% من الناتج المحلي، مع تركيز جزء كبير منه كدين داخلي يمول عبر إصدار نقدي غير مغطى، ما يزيد من الضغط التضخمي ويؤثر على الاستقرار المالي.
ويرى الباحث الاقتصادي والاستشاري شرف أن الاقتصاد السوري يعاني من غياب قاعدة إنتاجية قوية، ويعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يسهم في اتساع العجز التجاري ويحد من قدرته على المشي نحو التعافي الحقيقي. ويعتقد أن السياسات المالية في سوريا حاليًا تواجه تحديات جوهرية في تحقيق استدامة مالية وإعادة بناء قاعدة اقتصادية منتجة، وتحتاج إلى إصلاحات هيكلية شاملة ترتكز على تعزيز الإيرادات المحلية، ضبط الإنفاق، تحسين إدارة النقد والسيولة، وخفض الاعتماد على المساعدات الخارجية لتحقيق استقرار مالي حقيقي.
ولا يرى الخبير المصرفي والاقتصادي شهدا أي خطوة جدية باتجاه إصلاحات هيكلية للاقتصاد سوى الاستعاضة، وفي بعض الأحيان إقصاء لخبرات وكفاءات مشهود لها. فيما يرى شرف أن الحكومة السورية تبدو وكأنها تسير نحو إصلاحات هيكلية جذرية وليس مجرد حلول مؤقتة. فقد شرعت في تنفيذ تغييرات جوهرية تشمل تحرير السوق، إلغاء بعض الإجراءات البيروقراطية المعقدة، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة الاقتصادية، بما في ذلك دمج وزارات الاقتصاد والصناعة والتجارة الداخلية وأيضا دمج وزارة الكهرباء والنفط لتعزيز الكفاءة وتسهيل الاستثمار.
كما تم – وفقًا لشرف – تأسيس هيئات مستقلة لتسهيل إجراءات الاستيراد والتصدير، وإدخال نظام حديث لإدارة العملة الأجنبية وتحرير سعر الصرف. وعلى المستوى الإداري. ويرى شرف أن هناك توجه لتحويل دور الدولة من تشغيل مباشر إلى دور رقابي ومنظم، مع طرح المنشآت الحكومية الخاسرة للاستثمار الخاص، وإعادة هيكلة مؤسسات البيع الحكومية. إضافةً إلى إعادة ربط المصارف السورية بنظام التحويلات المالية العالمي (SWIFT)، ما سيسهم في استعادة الثقة وضخ رؤوس الأموال الأجنبية.
ويصف شرف هذه التحولات بأنها إصلاحات هيكلية واسعة النطاق تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر انفتاحًا ومرونة، لتحقيق نمو مستدام على المدى المتوسط والطويل. ومع ذلك، يرى الاستشاري ماجد شرف أن التحديات كبيرة وتتطلب استمرار تنفيذ هذه الإصلاحات بدعم دبلوماسي واقتصادي دولي.
المشاريع الصغيرة والمتوسطة والاستثمارات الأجنبية ركائز لتحفيز النمو
وفي الحديث عن دور المشاريع الصغيرة والمتوسطة في رفع النمو الاقتصادي، يؤكد الخبير المصرفي والاقتصادي شهدا أن دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة يمكن أن يسهم بنمو اقتصادي، كما هو الحال في بنغلاديش التي دعمت المشاريع الصغيرة والمتوسطة وأوصلت النمو الاقتصادي إلى 7%. فيما يشير الباحث الاقتصادي شرف إلى إمكانية تحقيق نمو اقتصادي يفوق 1% عبر دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في سوريا، لا سيما وأن تلك المشاريع تعد محركًا أساسيًا للتنمية الاقتصادية وخلق فرص العمل، وتحسين مستوى الدخل وتؤدي إلى عدم الاعتماد بشكل مفرط على القطاعات الكبيرة أو الاستيراد.
أما عن دور الاستثمارات الأجنبية في رفع النمو الاقتصادي، يرى شهدا أن الاستثمارات الأجنبية تبدو صعبة حاليًا، في ظل رفع العقوبات المشروط إلى جانب القيود والقطاع المصرفي غير المستقر. ولكي تحقق الاستثمارات الأجنبية نموًا ملحوظًا، لا بد لأن يكون هناك مقومات تجذب الاستثمارات الأجنبية وعلى رأسها الاستقرار الأمني والسياسي، بحسب رأيه.
فيما يؤكد الباحث الاقتصادي والاستشاري شرف أن الاستثمارات الخارجية تلعب دورًا محوريًا في تحسين المؤشرات الاقتصادية لسوريا، كما أن تدفقات رأس المال الأجنبي المباشر تسهم في سد الفجوة الاستثمارية الضخمة، وتأمين الموارد المالية اللازمة لإعادة بناء القطاعات الحيوية، ما يؤدي إلى خلق فرص عمل وتقليل معدلات البطالة المرتفعة. إضافةً إلى أن هذه الاستثمارات تعزز القدرة الإنتاجية للاقتصاد، وتحفز نمو الناتج المحلي الإجمالي، وترفع مستوى المعيشة بشكل عام. لكن لا تزال هناك تحديات تتعلق ببيئة الأعمال، العقوبات الدولية، والقدرة على تحويل الاستثمارات إلى مشروعات فعلية، بحسب ما يقول شرف.
إصلاحات ملحّة يقترحها خبراء الاقتصادي
يتحدث خبراء الاقتصاد عن إصلاحات ملّحة يحتاجها الاقتصادي السوري من بينها، وفقًا لشرف، تحرير السوق بشكل شامل بما في ذلك سوق العملات الأجنبية وإلغاء الإجراءات البيروقراطية المعقدة التي تعيق التجارة والاستثمار، ما يعزز من انسيابية النشاط الاقتصادي ويشجع رؤوس الأموال المحلية والأجنبية. إضافةً إلى الحاجة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإصلاح القطاع العام، وإعادة هيكلة الشركات الحكومية الخاسرة وطرحها للاستثمار الخاص، لتحسين الكفاءة وتقليل الأعباء المالية على الدولة. وتحسين بيئة الأعمال عبر تأسيس هيئات مستقلة لتسهيل عمليات الاستيراد والتصدير، وتطوير القوانين الاستثمارية، بما يحمي المستثمرين ويحفز الاستثمار، إلى جانب تعزيز الشفافية والمساءلة في الإدارة المالية والاقتصادية، ومكافحة الفساد الذي يعيق النمو. ويؤكد شرف على أهمية استقرار سعر الصرف وتحسين إدارة السيولة النقدية للحد من التضخم ودعم الثقة بالليرة.
ويعتقد شرف أن هذه الإصلاحات تشكل جزءًا من خطة إصلاح اقتصادي هيكلي وتحول شامل في النموذج الاقتصادي لسوريا، وبدونها يصعب تحقيق نمو مستدام وتجاوز التحديات المالية والاقتصادية الراهنة.
فيما يشير الخبير المصرفي والاقتصادي شهدا إلى إصلاحات مالية ملحّة كمعالجة التشابكات المالية بين المؤسسات العامة إضافة إلى عجز الموازنة، فلا يمكن أن تحقق السياسات المالية نموًا في ظل موازنة عاجزة. ومن ناحية أخرى، يرى شهدا أن الإعفاءات الضريبية التي جاءت كتشجيع للاستثمار بحاجة لأن تكون متوازنة، بمعنى تحقيق التوازن بين الإعفاءات والموارد، بحيث تكون هناك خطة لاستثمار الموارد بقطاعات محددة، الأمر الذي يحتاج لزمن ليس بقليل، وفقًا لتعبيره.
الكلمات المفتاحية

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري
تمثل مذكرة التفاهم بوابة محتملة لتعافي قطاع الطاقة السوري، من خلال دمج الأبعاد الاقتصادية والسياسية في إطار شراكات إقليمية ودولية جديدة

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

بين العملة الجديدة وتضاعف المركبات.. واقع جديد للنقل العام في دمشق
بين شهادات الركاب وتصريحات المسؤولين، يبدو أن مشهد النقل في دمشق يتجه نحو مزيد من التنظيم والاستقرار

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


