"نيو لاينز": شهادات توثّق فجوة الحكم والاحتقان الشعبي في مناطق الإدارة الذاتية
23 يناير 2026
كشفت مجلة "نيو لاينز" في تقرير مطوّل عن ممارسات أمنية وسياسية مثيرة للجدل في مناطق الإدارة الذاتية الخاضعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية" لشمال وشرق سوريا، مسلّطة الضوء على منظومة قيود واعتقالات طالت مدنيين على خلفية التعبير السياسي والرمزي، في سياق مفاوضات متعثرة مع دمشق انتهت بانهيار السيطرة الأمنية مطلع 2026. ويرصد التقرير شهادات مباشرة عن قمع الحريات، وتوظيف تهم "الإرهاب"، واتساع فجوة الثقة بين السلطة والسكان المحليين.
ينطلق التقرير من واقعة داخل مستشفى في مدينة الحسكة مؤرخة في أوائل كانون الثاني/يناير، بحسب كاتب التقرير. إذ خلال زيارة إلى مستشفى "الحكمة" في مدينة الحسكة لتلقي العلاج، لوحظت امرأة تغادر المستشفى برفقة طفل صغير كان يغنّي "لبّت لبّت"، التي تحولت بعد سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 إلى ظاهرة منتشرة في مختلف أنحاء البلاد.
وأضاف التقرير أن المرأة سارعت إلى إسكات الطفل بعصبية واضحة، مبرّرة ذلك بالخوف من وجود قوى الأمن الداخلي (الأسايش) داخل المستشفى، وهي الذراع الأمني لـ"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في المنطقة. ورغم محاولة رجل مسن، يبيع القهوة والشاي أمام المستشفى، تهدئتها بالقول: "مجرد طفل"، ردت عليه قائلة: "الشرطة دخلت الآن إلى المستشفى. لا نريد مشاكل".
يشير التقرير إلى أن الأغنية تحوّلت إلى احتفال ثوري يعكس سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد بعد سنوات القمع واليأس، حيثُ تنسب الفضل لمقاتلي المعارضة الذين "استعادوا الحرية"، وتؤكد الوحدة الوطنية من خلال ذكر مدن سورية متعددة، متخيّلة مستقبلًا قائمًا على الكرامة وإعادة الإعمار بعد تضحيات كبيرة. غير أن هذه الأغنية نفسها محظورة في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، التي كانت حتى 18 كانون الثاني/يناير 2026 خاضعة بالكامل لسيطرة "قسد"، نظرًا للرسالة الرمزية والسياسية للأغنية.
ويرى التقرير أن هذه الواقعة تكشف فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي لـ"قسد" والواقع العملي لإدارتها، كما تُظهر انفصالًا عميقًا بين نمط الحكم والسكان ذوي الغالبية العربية في المنطقة. فالإدارة تعلن التزامها بأيديولوجيا "الكونفدرالية الديمقراطية"، التي تقوم نظريًا على الديمقراطية القاعدية، وهي رؤية يبتناها حزب العمال الكردستاني. إلا أن هذا النموذج، بحسب المعطيات، لم يُطبق فعليًا. فالقرار الحقيقي ظل محتكرًا من قبل شبكة تنظيمية تُعرف محليًا باسم "الكوادر"، تضم عناصر مدرّبة على يد العمال الكردستاني، وغالبًا ما تكون من غير السوريين، خصوصًا من تركيا والعراق.
وبحسب "نيو لاينز"، في المناطق ذات الغالبية العربية مثل دير الزور، يحمل قادة المجالس العسكرية المحلية وشيوخ العشائر ألقابًا رسمية من دون امتلاك سلطة فعلية مستقلة، بينما ظلت السيطرة الحقيقية على الأمن وعائدات النفط بيد "الكوادر" حتى وقت قريب، مضيفًا أن هذا النموذج الإقصائي في فرض حالة من الصمت القسري بدل الرضا الشعبي، حيثُ لا يُنظر إلى "قسد" باعتبارها شريك في الحكم الذاتي.
ولفت التقرير إلى أنه خارج سوريا، لا تحظى هذه الطبيعة القمعية لـ"قسد" بانتشار واسع في المعرفة العامة. وغالبًا ما تُقدم بوصفها نموذجًا أكثر تسامحًا وديمقراطية مقارنة بغيرها. غير أن القيود المفروضة على الأغاني والرموز الوطنية، بما في ذلك العلم السوري الجديد، بدت شبيهة بممارسات نظام الأسد.
وبعد سقوط النظام، ساد أمل واسع بإعادة دمج المنطقة سلميًا ضمن الدولة. وجاء اختراق سياسي محدود في 10 آذار/مارس 2025 بتوقيع اتفاق إطار بين دمشق و"قسد". وبضغط أميركي، وافق مظلوم عبدي على جدول زمني يقضي باندماج "قسد" ضمن الجيش السوري، وحل الإدارة الذاتية داخل الحكومة المركزية قبل نهاية العام، مع وعود باحترام الثقافة واللغة الكرديتين. قوبل الاتفاق بترحيب واسع ونشوة وطنية عامة.
لكن، ووفقًا ما يذكر التقرير ذاته، فإن هذه الآمال سرعان ما تلاشت. فقد أمضى محمد عطالله خليف ستة أشهر في سجون "قسد"، لمجرد رفعه العلم السوري ذي النجوم الثلاث علنًا. إذ بعد عشرة أيام من توقيع الاتفاق، جرى اعتقاله ليلًا، وواجه تهمة "رفع علم الإرهاب”، رغم تأكيده أن هذا العلم رفعه إبراهيم هنانو عام 1946.
قضى خليف شهرًا في الحبس الانفرادي في ظروف قاسية. يصف لـ"نيو لاينز" الزنزانة بأنها "مظلمة بلا إضاءة أو تهوية، وفرشة ملوثة بالدماء والفضلات". وبعد ذلك، حاولت السلطات إجباره على تسجيل اعتراف مصوّر، لكنه رفض. ثم نُقل إلى زنزانة جماعية ضمّت 20 معتقلًا عربيًا، حيث تحسنت نوعية الطعام والزيارات، لكن الرعاية الطبية بقيت متدهورة.
وفقًا للتقرير ذاته، مثُل خليف لاحقًا أمام محكمة الإرهاب من دون محامٍ، وطُلب منه سرد تفاصيل حياته منذ عام 2003، في سياق يرتبط بأحداث القامشلي 2004. ورغم صدور قانون عفو في نيسان/أبريل 2024، طُعن بالقرار، وأُبقي في السجن شهرًا إضافيًا، قبل الإفراج عنه بشروط صارمة شملت المراقبة ومنع السفر.
لم تكن هذه الحالة معزولة. فالتقرير يوثّق منع تصوير الشوارع، وحظر نشر الصور على وسائل التواصل الاجتماعي، ومنع استخدام الاسم الرسمي "الجمهورية العربية السورية" بصيغته الكاملة. كما حُظر عرض صور الرئيس أحمد الشرع أو العلم السوري، ومنع الحديث عن الأوضاع الاقتصادية، مع جاهزية تهمة "دعم الإرهاب" ضد المخالفين، بحسب ما يقول باسل عبيد أحمد، وهو ناشط من مدينة الشدادي
وشملت الانتهاكات حالات اعتقال بسبب محتوى الهواتف، مثل حالة حسن الجبوري الذي حُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات بعد نشر صور من دمشق، وفقًا لشهادة خليف لـ"نيو لاينز". كما جرى تفتيش هواتف المدنيين على الحواجز، واعتقال من وُجدت لديهم صور أو رموز مرتبطة بالحكومة.
يتحدث عبيد أحمد عن عمليات تفتيش ومصادرة غير قانونية لمنازل المدنيين وهواتفهم وسياراتهم، لافتًا إلى أنه إذا سافر أحد من مناطق الإدارة الذاتية إلى دمشق أو إلى مناطق خاضعة للحكومة السورية، كانت قوات الأمن تداهم منزله. وإذا تبيّن أن سبب السفر ليس الدراسة أو العلاج، فقد يُحتجز الشخص وربما يُسجن إلى حين "توضيح" وضعه.
ويرصد التقرير ذاته امتداد الانتهاكات إلى العمل الإنساني، حيث اعتُقل غالب محمد، وهو طبيب أطفال من الحسكة، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات بتهمة "دعم الإرهاب"، بعد تقديمه كرسيًا متحركًا لطفلة مبتورة الساقين في مخيم الهول، فقط بسبب ارتباط الطفلة بالمخيم.
ترافق ذلك مع مناخ عام من الخوف والرقابة، ومداهمات للمنازل، واعتقالات للعائدين من دمشق. كما طالت الإجراءات حتى عناصر من "قسد" أنفسهم، كما يقول أبو مازن، وهو سائق حافلة نقل ركاب صغيرة بين دير الزور والحكسة، في شهادته لـ"نيو لاينز".
ويعيد التقرير التذكير بأنه في كانون الثاني/يناير 2026، وبعد انهيار المفاوضات، اندلعت مواجهات واسعة. انتفضت عشائر محلية بدعم من دمشق، وتقدمت القوات الحكومية لاحقًا، ما أدى إلى فقدان "قسد" السيطرة على معظم المنطقة، وانشقاق مكونات عربية كانت حليفة لها.
ويرى التقرير أن هذه الوقائع تتناقض مع الصورة الديمقراطية المروّجة دوليًا، إذ تُظهر نمطًا من القمع المنهجي للحريات، وتسييس "تهم الإرهاب"، وتقييد الإعلام والعمل الإنساني، وإعادة إنتاج ممارسات سلطوية شبيهة بتلك التي ثار عليها السوريون عام 2011.
ويخلص التقرير إلى أن أي استقرار مستقبلي يتطلب قطيعة مع منطق السيطرة الأمنية، واحترام الحريات، ومساءلة حقيقية، وإعادة ترميم الثقة الاجتماعية في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية.
الكلمات المفتاحية
لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا: الحاجة ملحّة لإصلاح قطاع الأمن والجهاز القضائي
ودعت اللجنة، في تقريرها الذي أصدرته اليوم، إلى تحقيق العدالة وإجراء إصلاحات
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
الهلالي: الدولة السورية تفتح أبوابها للكوادر الكردية و"الإدارة الذاتية" إلى زوال
شدد الهلالي على أن الدولة لا تميّز بين السوريين، لافتًا إلى أن عددًا من الشخصيات الكردية يشغل بالفعل مناصب عليا في الدولة السورية
إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام
أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.
فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"
أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان
في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي
لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه
مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك
بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026