ultracheck
سياسة

هل يتكرر سيناريو "قسد" في مناطق الاستعصاء الأخرى؟

19 يناير 2026
عبور
الجيش السوري يعبر نهر الفرات باتجاه ريف دير الزور الشرقي (Getty/ الترا سوريا)
فريق التحرير
فريق التحرير

تسارعت الأحداث السورية، في الأيام القليلة الماضية، لتصنع مشهدًا جديدًا بتوزيع مختلف للقوى والأدوار. وفي استعادة، من نوع ما، لأجواء الثامن من ديسمبر فقد سبقت الوقائع اللاهثة معظم (إن لم يكن جميع) التوقعات والتحليلات والتنبؤات.

لكن عددًا كبيرًا من أولئك المراقبين والمحللين الذين فاتهم استشراف ما حدث، يعودون اليوم ليقرأوا الأحداث بأثر رجعي، ويفسروا لنا الأسباب والعوامل والدوافع والمآلات.

يتحدث البعض عن "معركة عسكرية كبيرة وناجحة، استندت إلى تخطيط جيد وانضباط عال وروح معنوية مرتفعة عند الجيش القوات الحكومية، مقابل تردد وانقسام في صفوف "قسد"، التي فضلًا عن ذلك كانت تقاتل على غير أرضها وبعيدًا عن جمهورها".

آخرون يرون، خلاف ذلك، أننا كنا أمام "سيناريو سياسي مكتوب بعناية وبإشراف القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، وأن ما جرى في ميدان المعركة ما هو إلا إخراج متقن لهذا السيناريو، مدللين على ذلك بالإشارة إلى أن "قسد" لم تكن تخسر أراض ومواقع بل ببساطة كانت "تتبخر" منها".

وأيًا كانت القراءات والتحليلات، فمن المؤكد أن ما حدث قد غير في مسارات الواقع السوري، وربما يطلق مسارات جديدة يصعب الحسم في طبيعتها واتجاهاتها منذ الآن. باختصار: ثمة الكثير مما يوحي بأن ما بعد أحداث حلب وريفها وشمال شرقي البلاد، سيكون مختلفًا عما قبلها.

ومع إجابات كثيرة باتت مطروحة من قبل الكثيرين، فإن أسئلة أكثر لا تزال مطروحة، لعل أولها: ما انعكاسات مستجدات ملف "قسد" على بقية المشهد السوري.. الساحل والسويداء تحديدًا؟    

يشير الكاتب السياسي سليمان الشمر إلى ماحدث في الأيام العشرة الأخيرة و"السرعة التي تمت فيها الأمور من حيث انتهاء ظاهرة "قسد"، سياسيًا بالدرجة الأولى وعسكريًا بالدرجة الثانية"، دون أن يستبعد أن "تلجأ فلول قسد إلى حرب عصابات محدودة الى حين، ما سوف يترك أثره على ملفي الساحل والسويداء". ويضيف: "ولكن كما تبخرت أحلام قسد بالفيدرالية ستتبخر أحلام حملة المشروعين الآخرين، وبات واضحًا أن القرار الخارجي مضافًا إلى قرار السلطة داخليًا قد أفضى إلى هذه النتيجة، التي هي في التحصيل النهائي في مصلحة سوريا والسوريين".

من جهته يقول الباحث والكاتب الصحافي، عزيز موسى، إن "قسد" اعتقدت أن "شراكتها مع الولايات المتحدة تكفي وحدها لتحقيق طموحات سياسية للإبقاء على نوع من الإدارة الذاتية أو تحقيق نموذج فيدرالي في منطقة الجزيرة، إلّا أن هذا اصطدم بالواقع بوجود تحوّلات في استراتيجية دمشق نفسها وفق مبدأ "استثمار الفرصة" بدءًا من استعادة السيطرة على أحياء الأشرفية والشيخ مقصود واتباع القضم التدريجي، بالتوازي مع اختراق واسع نسجته دمشق بعلاقات واسعة مع المكون العشائري العربي ضمن قسد والذي يشكّل 60-65%، وعدم رفض الولايات المتحدة سيطرة الحكومة المركزية على المناطق بالتزامن مع الدفع من أطراف إقليمية متعددة لإنهاء هذه الحالة".

ويرى موسى أن "هذا يفرض بدوره على الأطراف والتيارات الأخرى، خاصة في الساحل والسويداء، التي ذهبت بمطالبها نحو السقف الأعلى  المتمثل (بالانفصال أو الفيدرالية) إعادة النظر في مقارباتها، وخاصة أن هذه التيارات والأطراف، بمن يمثلها، كانت تعوّل ضمنيًا على تجربة قسد كإطار لإنشاء تحالف متعدد الأطراف، مما يدفع بدوره الأطراف في كل من السويداء والساحل إلى إعادة المقاربة لتكون جزءًا فاعلًا في عملية بناء الدولة دون الانعزال، وما يتطلب بدوره مقاربات أوسع من قبل الحكومة السورية في توسيع باب المشاركة على عدة مستويات".

هل يصلح سيناريو "قسد" للاستنساخ؟

ثمة سؤال يردده كثيرون هذه الأيام: ماذا عن الملف الآخر الذي لا يزال مستعصيًا؟ هل سيناريو الحل العسكري الذي اتبع إزاء قسد قابل للتكرار في السويداء؟

يعتقد عزيز موسى أن "التعامل مع ملف السويداء يذهب في أكثر من مسار، الأول يتجه من خلال الاعتماد على تفكيك شبكات داخلية مرتبطة بالفصائل المحلية سواء من خلال التعاون المتبادل أو استثمار حالة الاختلاف بين عدد من هذه الفصائل، وفتح قنوات أمنية واستخبارية مباشرة مع الحكومة السورية مما قد يسهم بتفكيك داخلي، أما المسار الثاني يتعلق بإسرائيل وآليات تعاطيها مع ملف الجنوب السوري والسويداء بشكل خاص باعتباره أداة ضغط على الحكومة السورية، وهذا يرتبط بالتالي بطبيعة التفاهمات التي يمكن أن تصل إليها الحكومة السورية مع إسرائيل بإيجاد صيغة تضمن التوافق من جهة، وتفتح الباب أمام عملية عودة السيطرة على المناطق في السويداء بناء على تفاهمات متبادلة واستثمار حالة الانعزال التي تشهدها مناطق سيطرة "الحرس الوطني" لا سيما في ظل وجود انشقاقات".

فيما يرى سليمان الشمر أن "هذا المآل الذي آلت إليه تجربة قسد، من حيث الاعتماد على الحل العسكري، ليس بالضرورة أن يتكرر في الملفين الآخرين، الساحل والسويداء، دون أن يكون مستبعدًا بالمطلق".

الشمال مقابل الجنوب؟!

ثمة حديث عن مقايضة تركية إسرائيلية: الشمال الشرقي مقابل الجنوب. هل يمكن أن يكون هذا تفسير صالح لقراءة ما حدث مؤخرًا؟ واذا كان الأمر كذلك فما هو مصير الجنوب. إلى أي صيغة يتجه؟

يقول سليمان الشمر إن "الوضع السوري الذي رسى عليه الصراع والدور المناط بسوريا الجديدة لايسمح بأية مقايضات من هذا النوع"، مضيفًا أن "الرعاية الدولية والإقليمية التي تحظى بها السلطة في دمشق ليست في وارد السماح بإضعاف سوريا إلى الدرجة التي تصبح معها دولة هشة ومنقسمة واقعيًا بين تركيا وإسرائيل"، ويعتقد أن "تكرار هذا الحديث، عدا عن أنه غير واقعي لتناقض المصالح التركية الإسرائيلية وتناقضهما مع الرؤية الأمريكية، فهو يُخرج الشعب السوري والوضع العربي خارج المعادلات الناظمة لوضع سوريا واستقرارها".

أما عزيز موسى، فيشير إلى أن العلاقة بين تركيا وإسرائيل تخضع في السياق السوري للصراع والتنافس على النفوذ، "فمن جهة ترى تركيا في سوريا العمق الاستراتيجي لأمنها القومي، ومن جهة أخرى فإن إسرائيل تريد إبعاد النفوذ التركي وتحجيمه بعدم السماح بوصوله إلى الجنوب، وهذا بدوره يخضع في المحصلة لعنصر الضبط الأمريكي بعدم التوصل لحالة من الاشتباك بين الجانبين في سوريا، والدفع باتجاه اتفاقات ظرفية مؤقتة يمكن البناء عليها لاحقًا فيما يتعلق بحسابات النفوذ والتي ستبقى خاضعة للتغير".

مصير اللا مركزية

تقول الحكومة وأنصارها إن خيار التقسيم قد تم إسقاطه بعد الانتصارات الحكومية. فماذا عن خيار اللا مركزية. هل تم إسقاطه أيضًا؟

يوضح الباحث والصحافي عزيز موسى أن سيناريو التقسيم "كان ضمن فرضيات جدلية بين الأطراف وبعيدة عن الواقع، نظرًا لأن الفواعل الدولية والإقليمية ترى في تقسيم سوريا خطرًا استراتيجيًا لا سيما تركيا ودول الخليج العربي، كما أدى انتشار قوات الجيش السوري في مناطق الجزيرة السورية إلى إعطاء أوراق إضافية للحكومة المركزية في دمشق ضد أي سيناريوهات التقسيم".

أما بالنسبة للامركزية فيرى أنها "تبقى ضمن المسار السياسي الانتقالي بالتشاور بين مختلف الأطراف وما يتم صياغته مستقبلًا في الدستور، سواء بالذهاب نحو نموذج من اللامركزية الموسعة الذي يعطي خصوصيات للمناطق والمحافظات في إدارة شؤونها، أو سيناريوهات أخرى، تبقى خاضعة لما يمكن أن يتم التوصل إليه في العملية الدستورية والقانونية بناء على التفاعلات السياسية".

من جانبه، يجيب الكاتب السياسي سليمان الشمر بالقول: "نعم، إن خيار التقسيم قد طوي الى غير رجعة، وأعتقد أن القائمين على الملفين الآخرين كانوا يراهنون على نجاح قسد بفرض رؤيتها كونها الأقوى عسكريًا، وكانوا يعتقدون أن تجربة قسد مرعية أمريكيًا وبشكل مباشر، حتى تبين العكس: الرؤية الأمريكية أوسع من أحلام بعض الأطراف من قيادات قسد".

وفيما يخص اللامركزية، يقول الشمر: "كان من أهم أسباب مقتلها هو مراوغة كل الأطراف المطالبة بها وعدم تحديد أية لا مركزية يريدونها، ربما جماعة الهجري كانوا الأوضح بمطالبتهم بالانفصال الذي تجاوز اللامركزية، وهنا قد يكون من المفيد التذكير بأنه في لحظات الاستقطاب القصوى كما هو الحال في سوريا بعد الصراع الطويل والمدمر الذي شهدته، فإنه من الخطأ فتح النقاش حول القضايا الكبرى، فهذه تحتاج فترات هدوء واستقرار تسمح بحوارات هادئة ومفتوحة بين الأطراف، الأمر الذي نفتقده في هذا المخاض الذي نعيشه".

ويختم: "إن ما يجب أن يستفاد من نتائج المعركة مع قسد، هو أن تركز القوى والفعاليات على دمقرطة سوريا ومدنيتها، وأن تستبعد الرؤى والمشاريع الضيقة من ساحات التداول".

الكلمات المفتاحية

الحرب

سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي

تبدو سوريا آمنة وسط الحرب الدائرة في المنطقة اليوم، غير أن كثيرين يرون أنه أمان مؤقت، مؤكدين أن سوريا، مثل بقية دول المنطقة، هي في قلب العاصفة


تبادل

مداخلة أميركية ومساع لإعادة الحوار بين دمشق والسويداء

شكلت عملية تبادل الموقوفين في محافظة السويداء بين السلطات السورية، وقوات الحرس الوطني التابعة للشيخ حكمت الهجري، خطوة أولى في مسار التنسيق الأمني بين الطرفين


جنود إسرائيليون

حدود متوترة وتحركات عسكرية.. الجنوب السوري في مرمى الحرب الإقليمية

لا يزال ملف المنطقة الجنوبية في سوريا عالقًا بين متغيرات سياسية إقليمية وأخرى داخلية، في وقتٍ ألقت فيه الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران بظلالها على مسار المفاوضات


جندي أميركي

شمال شرق سوريا من الفراغ إلى الشراكة: هل تنجح المعادلة الأمنية الثلاثية في المثلث الحدودي؟

مع الانسحاب الأميركي من عدة قواعد في شرق سوريا، يدخل المثلث الحدودي بين العراق وسوريا وتركيا مرحلة إعادة تشكّل حساسة

انفجار
أخبار

إصابة 31 شخصًا في حمص بانفجار صاروخ من مخلفات النظام

أصيب 31 شخصًا، اليوم، إثر انفجار صاروخ من مخلفات النظام السابق داخل ثكنة مهجورة للدفاع الجوي في منطقة العباسية بحمص.

فرن حرنة
أخبار

فصل جميع عمال فرن "حرنة" الآلي في ريف دمشق بسبب "الإجهار بالإفطار"

أصدرت بلدية التل في ريف دمشق قرارًا يقضي بإقالة جميع العمال في فرن "حرنة" الآلي، وذلك بذريعة "الإجهار بالإفطار" خلال شهر رمضان


الشعلة والشرطة
منوعات

في الدوري الممتاز: بعد تثبيت نتيجة التعادل أمام الشعلة.. الشرطة يلوّح بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي

لوّح الشرطة بالتصعيد إلى الاتحاد الآسيوي بعد تثبيت تعادل فريقه مع الشعلة، مؤكدًا تمسكه بملاحقة القضية قانونيًا دفاعًا عن حقوقه

الأسواق السورية
مجتمع واقتصاد

مع اقتراب عيد الفطر 2026.. الإعلان الواضح للأسعار خطوة لضبط السوق وحماية المستهلك

بين متطلبات حماية المستهلك وضرورات تنشيط الأسواق، تتجدد النقاشات حول آليات التسعير وضبط المنافسة في السوق السورية، خصوصًا مع اقتراب موعد عيد الفطر 2026

الأكثر قراءة

1
مجتمع واقتصاد

سوريا بين أنقاض الحرب واقتصاد الإغاثة: بلد يعيش على المساعدات وينتظر التعافي


2
أخبار

العثور على مقبرة جماعية تضم رفات 11 شخصًا في الصنمين بدرعا


3
أخبار

لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا: الحاجة ملحّة لإصلاح قطاع الأمن والجهاز القضائي


4
سياسة

سوريا وسط الحرب.. هواجس المستقبل وأشباح الماضي


5
عدالة انتقالية

التمكين السياسي للنساء أداة لصناعة السلام المستدام


advert