هل يُورَّث العار؟ سؤال خالد خليفة المزلزل في "لم يصلِ عليهم أحد"
17 نوفمبر 2025
يؤرّخ خالد خليفة في روايته "لم يصلِّ عليهم أحد" لمرحلةٍ من تاريخ مدينة حلب، حاصدًا في سرديته خيوط التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، عابرًا بالكوارث الطبيعية التي مرت على المنطقة، وكيف شكّلت هذه العوامل مجتمعةً مصير شخصياته التي انتقاها بعناية.
تبدأ الرواية من طوفان عام 1907، الذي شكّل بؤرةً زمنيةً تتأرجح الأحداث حولها، ممتدًا إلى ما قبلها وما بعدها، إذ يمثِّل الطوفان حدثًا مفصليًا في حياة الشخصيات الرئيسية. لكن الزمن الروائي في فصولها العشرة يمتد من بداية القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين (فيما يذكرنا برواية "مائة عام من العزلة" لماركيز)، أي منذ زلزال حلب 1822 حتى فترة حكم شكري القوتلي، أول رئيس لسوريا بعد جلاء الاحتلال الفرنسي، مارًا بالطوفان والمجاعة والطاعون وأيام "سفر برلك"، وصولًا إلى مذابح الأرمن والحرب العالمية الأولى.
تشكّل هذه الخلفية التاريخية الإطار الذي تتحرك ضمنه حيوات الشخصيات المتعددة، حيث يتوازى السرد التاريخي لأحوال المنطقة والناس في ظل الأحداث السياسية والطبيعية، مع خط سير حياة مجموعة من الأصدقاء من مشارب مختلفة جمعتهم المدينة، عاشوا فيها وحولها، فيعرض الرواية أصولهم التي انحدروا منها، وينتهي بمصائرهم النهائية، متابعًا سلالات الأجيال التي انبثقت منهم.
وفي نسج الخاص بالعام، تتداخل القصص وتتشابك لتخلق جوًا مشبعًا بالغرابة والرومانسية والروحانية وقسوة الطبيعة والأحداث التاريخية، مشكِّلةً المزيج السردي لحكايات الشخصيات، حيث كان لكل منها قصتها الفريدة التي تثري النص وتثير فضول القارئ.
حفرت المعاناة القاسية ملامح حياة الشخصيات، وأولها الطوفان الذي نقل الأصدقاء من حال إلى حال. فقد عاشوا قبله حياةً لاهيةً عابثة، مفعمين برغبة امتلاك العالم ومنجذبين إلى عالم اللهو والمتعة، حتى إنهم بنوا قلعةً حشدوا فيها شتى أنواع الملذات، يلتقون فيها برفاق اللّهو وفتياتٍ يستقدمونهن من حلب وبغداد والموصل، محاولين الانفصال عن عالمٍ يسير في اتجاهٍ معاكس، معلنين موقفهم العبثي من الحياة والمجتمع والعالم الضيّق بآلامه، ومعلنين توقهم المتعطش لكسر قيوده والانعتاق من أقفاصه. بل إنهم صكّوا عملة فضية خاصة بالقلعة، التي أعدّوا فيها صالة للمنتحرين، في إطار نمط حياتهم الذي رأوا فيه أمرًا طبيعيًا.
الطوفان
تجاوز حنا مأساته الشخصية الأولى، عندما قُتِل جميع أهله على أيدي الضباط العثمانيين وهو طفل، ونجا بأعجوبة بفضل خادمة هربته إلى بيت صديق والده المسلم في حلب، فعاش كواحد من العائلة، حيث تآخى بالدم مع زكريا الابن الحقيقي للعائلة بعد أن جرحا إصبعيهما ومزجا دمائهما. تعلما معًا وخبرا الحياة ولم يفترقا حتى النهاية.
انتقم حنا لاحقًا من قتلة أهله، ثم اهتم بالتعرف إلى مفكري المدينة ودعم مشاريعهم في إصدار الصحف المتنورة. وهذا الوعي انعكس على مسار حياته بعد المأساة الثانية التي لم يتجاوزها أبدًا، حين فقد عائلته في الطوفان.
بقي حنا آنذاك في القرية المسماة باسمه "حوش حنا" عشرة أيام، ينتظر جثث الغرقى القادمة عبر نهر الفرات ليدفنها، بعد أن دفن مع زكريا ضحايا القرية، حيث دفنا معًا أكثر من 150 جثة. أما زكريا، الذي خسر ابنه وكادت زوجته شاها تجنّ من الصدمة، فقد عاد إلى بيت العائلة لتعافى زوجته، وأمضى ما تبقى من حياته على هامش اضطرابات حياة حنا ومعاناة شاها.
وعلى مدار عشرة فصول، تتوالد قصص جديدة وتتشابك علاقات الشخصيات عبر عدة أجيال، لتغطي الزمن الروائي على مساحة تمتد بين حلب والفرات وإسطنبول، متوقفة عند أحداث مفصلية كالانتقال من قرن إلى آخر، وكيف استقبل الناس هذا الحدث العظيم، حيث سارع المسيحيون إلى التبرع بأموالهم للكنيسة، بينما توقع المسلمون أنه يوم القيامة وبدأوا الإنشاد في حلقات الذكر.
وكذلك كيف ظهرت في حلب بعد هزيمة السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، حركة ذات طابع إسلامي تنادي بعودة السلطنة، بينما تلاشت حركة المقاومة الكردية وانتهت.
يتحدث خالد خليفة عن أبطاله متلمسًا تلك الوحشة التي تنهش حياتهم الداخلية، وتفيض منها بالحزن الكثير الذي ينسحب عليها ويحكم نهاياتها. إذ امتزج الحب بالخيبة والعذاب. يشع الأسى من لغته التي تتألق خصوصًا في فصلي "الآثام" و"حكاية إمام العاشقين".
فيسجل حياة حنا بلغة شفافة ذات بعد فلسفي وجودي وإحساس مرهف. فحنا، الذي لم يغرق في الطوفان، أكمل حياته كغريق، متخذًا من الصمت والتأمل لغةً له، راغبًا في التطهر من خطاياه القديمة والتحرّر من آثامه ليعيش زاهدًا كالرهبان.
لكنه لم ينسلخ عن وعيه وتاريخه الشخصي، فلم يكمل ترحال الزهد المجاني الذي بدأه على مرحلتين، كما رفض أن يستغل الناس بفكرة تطويبه قديسًا، فقطع رحلة زهده إلى القدس عائدًا، رغم أن ماريانا التي رافقته لتعتنى به (وهو الذي كان يكفلها بعد مقتل أهلها في مجازر الأرمن)، كانت تسعى لإكمال الرحلة من أجل تطويبه قديسًا والحصول على المعونة ودعم الكنيسة.
لكن رحلة حنا الزاهدة لم تكن رحلة إيمان أو بحث عن أسرار أو يقين، بل كانت رحلة وجودية لسبر أغوار المساحة التي اختارها بين الحياة والموت بعد الطوفان، حيث تحفر أسئلة الوجود نفسها بعمق في داخله.
بينما تتألق لغة خليفة بشعرية صوفية مؤثرة في فصل "إمام العاشقين"، الذي يحكي قصة مؤثرة بين صديقهم وليم وعائشة المفتي، والتي انتهت بالقتل على خلفية الانتماء الديني.
ورغم كثرة الشخصيات في الرواية، أمسك خليفة بمفاصل حياة كل شخصية وبنيتها وسماتها النفسية وتطوراتها، وقدمها للقارئ بحيث يعيش معاناتها كصديق حميم، يتقبل النهايات المفاجئة، ويبقى مشدودًا على مدار الرواية التي تميزت برشاقة السرد وحيويته، والمشاعر المتدفقة رغم غلبة الحزن عليها.
بين التأريخ والواقعية السحرية
لم ينج خليفة في روايته من تلك الحيلة الفنية التي يعمد إليها الكتّاب لإضفاء المصداقية التاريخية على الأحداث محاولًا الاقتراب من التوثيق، وهي العثور على فصل مكتوب أو الاستعانة بكاتب عايش الفترة الزمنية ذاتها. فاستعان خليفة بشخصية "جنيد خليفة" ككاتب وصلت إليه مخطوطات لحياة بعض الشخصيات، فقام بتنضيدها وطباعتها، مستفيدًا من ذلك بذكر تاريخ المطبعة في حلب والقائمين عليها. كما أن تعريجه على هواية زكريا في تربية الخيول وحفظ أنسابها وسجلاتها، كان محاولة لافتة لتأريخ هذه المهنة الغائبة عن ذاكرتنا.
امتزجت الواقعية السحرية في السرد وأضفت على القصص تشويقًا مبهرًا، كحكاية العمة أمينة التي تملك حدس التنبؤ بالمستقبل إلى درجة مخيفة، إذ تكشف مواعيد الموت. ثم فقدانها تلك الحاسة الروحانية بعد انتقالها إلى الحركة الإسلامية المتشددة التي أسسها أبو الهدى الصيادي في إسطنبول. انتهت العمة إلى استعداء العائلة على ابنة أخيها سعود حين أرادت إقامة عرض للأزياء لأول مرة في حلب. إنه ذاته المجتمع المتشدد الذي حارب الشيخ البصمجي ونبذه لأنه أرسل ابنته إلى السوربون لدراسة الحقوق.
مرورًا برؤى حنا التي ألحت عليه طويلًا، وصولًا إلى شخصية شاها زوجة زكريا، التي كان يجرحها الضوء وتجرح روحها الرائحة. ثم قصص الحب التي عاشت في الخفاء واحتفظت بنكهتها عبر التحدي والانكسار الذاتي والعام، بتلك الحميمية والغرائبية التي تأسر القارئ وتأخذ بمشاعره.
نجح خليفة في نسج سرده وبناء عالم شخصياته المحبب وقصصها، موثقًا ذلك التنوع الفسيفسائي للمدينة وكيف حافظت عليه رغم الأذى الذي تعرض له سكانها، متأرجحةً على حبال التغيرات العالمية والمحلية، ولم يخل بهذا التنوع سوى هجرة عائلة صديقهم اليهودي إلى أميركا.
"هل يُورَّث العار؟".. رؤية حنا
راود حنا حلمٌ مرارًا، يحثه على حفر التل المقابل لغرفته لأن هناك كنيسة مطمورة، دون أن يعرف مصدر ذلك الحلم المتكرر. أهو من حديث تسرب إلى ذاكرته حين وصل إلى قريته الصغيرة الواقعة بين حلب والفرات عدد من الناجين من مذابح الأرمن، الذين تبعثروا على طول المسافة بين حلب غربًا والموصل شرقًا، وقد سجلت ذاكرتهم صور حرق وقتل العائلات جماعيًا والأمهات العاريات؟
وهنا السؤال، هل هو نابع من ثقته بأن "هذه الأرض تغص بالمقابر الجماعية، بشر بؤساء لم يدفنهم أحد ولم يصلِّ عليهم أحد"؟ ولهذا اتبع يقينه بعبث هذه الحياة وعبث البشر وتعنتهم في الظلم. وبعد أن أراد تحويل الكنيسة المكتشفة إلى مقر للكشف عن المقابر الجماعية وإعادة الاعتبار للمجهولين، والإشارة إلى القتلة بأسمائهم ليشعر ورثتهم بالعار، سارع إلى التخلي عن الفكرة، متسائلًا: "هل يُورَّث العار؟".
وإن كان ذلك يحدث، فهل هناك ناجٍ من العار؟ وهل كان أجدادنا كلهم أتقياء؟ أم أنهم قتلة؟ خرج حنا من تساؤلاته باستنتاج أن التعميم خطأ وحالة اعتباطية وعاطفية خالصة، فـ"لا أحد صافي الانتماء"، وكان كلما فكر بذلك أوقفه إحساس النقصان لفكرته، حتى أغلق الأمر بقوله: "نحن مزيج من الضحايا ودماء القتلة".
يعود حنا في النهاية إلى النهر، وينتهي فيه بإرادته، وكأنه يلتقي بكل أولئك الضحايا الذين ابتلعهم الماء والبر على حد سواء، دون أن يصلِّي عليهم أحد. من هناك تبرز الرواية كعمل يحفر عميقًا في البعد الاجتماعي والإنساني للمنطقة، المستمر حتى اليوم، وتغوص في قصص الناس فيها، وسيرة نهاياتهم الحزينة.
الكلمات المفتاحية

"City of Ghosts"... حين يصبح التوثيق فعل مقاومة
لا ينتمي فيلم "City of Ghosts" إلى فئة الوثائقيات التي تبحث عن مسافة آمنة بينها وبين موضوعها، بل يغوص مباشرةً في قلب الجرح

برنامج "OHLALA": أداء متخبّط ولحن كلامي بيتي ونهايات حرفية غير منضبطة
يرصد هذا المقال تحليلًا نقديًا لاختلالات الأداء السمعبصري في برنامج "OHLALA" ويكشف ضعف النبر والتنغيم وضبط المخارج الصوتية

بعد "البشت".. "اليونيسكو" تُدرج "الكحل العربي" ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي
أعلنت وزارة الثقافة عن إدراج عنصر "الكحل العربي" على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في منظمة اليونيسكو

ما بعد قانون قيصر: هل يفتح رفع العقوبات باب التعافي المعيشي أم يؤجل الأزمة؟
يفتح رفع قانون قيصر نافذة اقتصادية مشروطة، ويجعل تحسّن معيشة السوريين رهين إصلاحات داخلية وقدرة مؤسسية فعالة مستدامة حقيقية

وصف بـ"الخطير".. قتلى وجرحى أميركيين جراء تعرض قوة مشتركة لهجوم في تدمر وسط سوريا
تعرض أفراد من قوات الأمن السورية والقوات الأميركية لإطلاق نار قرب تدمر، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى وتعطيل مؤقت للطريق الدولي

عام على تحرير سوق السيارات: استنزاف للنقد الأجنبي وازدحام مروري ومخاطر بيئية متزايدة
يرصد هذا التقرير مرور عام على تحرير سوق السيارات، وسط تحذيرات من استنزاف النقد الأجنبي وتفاقم الازدحام المروري وارتفاع المخاطر البيئية

"أسوشيتد برس": تأسيس أول منظمة سورية يهودية لإعادة تأهيل الكُنس المتضررة في البلاد
سجّل يهود سوريون أميركيون أول منظمة يهودية مرخّصة في سوريا لإحياء التراث بعد سقوط نظام الأسد والكنس المتضررة

