"هندسة البقاء": هل تساهم واشنطن في دمج "قسد" عبر بوابة الموازنة العسكرية؟
3 يونيو 2026
طرأ تحوّل لافت في شكل التعاطي الأميركي مع ملف قوات سوريا الديمقراطية "قسد"، تحديدًا في كواليس الميزانيات والأرقام، الشيء الذي يحمل في طياته إعادة رسم كاملة لخارطة النفوذ السوري، إذ لم يعد الدعم المالي الأميركي لـ "قسد" مجرد بندٍ مرتبط بضرورات الحرب على تنظيم "داعش"، بل انتقل بشكل مدروس إلى ميزانية "الدمج الأمني" كشرط للتمويل ضمن رؤية أوسع في موازنة وزارة الحرب الأميركية الصادرة لعام2027، ضمن البند الخاص بسوريا لمكافحة تنظيم الدولة "داعش".
هذا التحول يعكس إعلاناً غير رسمي عن بدء مرحلة الشرعنة لـ "قسد" كجزء من جهاز أمني محوكم ومستدام، من هنا تتجاوز واشنطن المقاربة العسكرية المؤقتة لتؤسس لـ "مخارج سياسية" طويلة الأمد، تفرض واقعًا جديدًا يجبر القوى الإقليمية والمحلية على التعاطي مع ملف الشمال الشرقي كركيزة أساسية في أي تسويات مستقبلية.
شرعنة عبر الدمج
تتقاطع القراءات حول أبعاد هذا التحول في الدعم، بوصفه انتقالًا استراتيجيًا من صيغة سابقة ترتبط بدعم مؤقت تحت بند محاربة الإرهاب، إلى مسار "المأسسة والديمومة". هذه الخطوة التي تُخرج قسد من عباءة الفصائلية لتدمجها ككتلة شرعية داخل الهيكل الأمني السوري المستقبلي، مما يحولها إلى شريك ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية بعيدًا عن سيناريوهات التصفية الشاملة.
يرى الكاتب والباحث في الشؤون السياسية، إبراهيم خولاني، أن الدعم الأميركي لـ "قسد" يُبرر تحت بند طوارئ "محاربة داعش"، وهذا البند بطبيعته مؤقت وينتهي بانتهاء المهمة، وهكذا فإن التحول نحو صيغة التمويل الجديدة يعني الانتقال من منطق "الميليشيا الشريكة" إلى منطق "الجهاز الأمني المؤسسي"، لا سيما في ظل التوجه لبناء مؤسسات أمنية وعسكرية بالتعاون المباشر مع دمشق.
فيما يعتقد الكاتب السياسي، أحمد شيخو، أن واشنطن تدرك أن ذريعة "حرب داعش" استُهلكت سياسيًا وقانونيًا، وهذا التحول يعني الانتقال من "مرحلة الدعم المؤقت" إلى مرحلة "الدعم الدائم المشروط" من خلال بقاء قسد باعتبارها كتلة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية في الحكومة السورية، والاستفادة من خبرات التدريب والدعم التي حصلت عليه طوال سنوات ضمن إطار مؤسساتي حكومي حصري، بالتالي تمثل هذه الصيغة ديمومة واضحة من خلال تحويل "قسد" من فصيل مسلح متهم بالانفصال إلى "مكون وطني شرعي" داخل أجهزة الدولة، بعيدًا عن أي عملية اجتياح أو تصفية سياسية مستقبلًا.
إعادة رسم النفوذ
تفتح عملية هندسة التمويل الجديدة الباب أمام إعادة ترتيب للنفوذ الإقليمي، لا سيما بالنسبة لأنقرة.
يؤكد خولاني أن هذه الخطوة تعيد رسم حدود النفوذ ودوائرها، بالنسبة إلى أنقرة فإن مأسسة "قسد" وضمان تمويلها تحت مسميات "الدمج الأمني" قد يكون سيناريو غير محبذ، إذا تعثر مسار اندماجها في الحكومة السورية، وبالتالي قد يؤدي إلى زيادة الفجوة بين واشنطن وأنقرة، لكن حتى الآن من الواضح أن هناك رضا نسبي عما جرى في عملية اندماج قسد في الحكومة، بالتزامن مع قلق من محاولات الدفع نحو الاستقلال الذاتي مستقبلًا، ومن مصلحة تركيا أن يتم تجفيف أي مورد يدعم قسد من خارج مؤسسات الدولة السورية.
من جانبه يشير شيخو إلى أن هذا التحول في السياسات الأميركية بعد أن كانت قسد شريكًا استراتيجيًا، يعيد ترتيب خرائط النفوذ لا سيما على الصعيد الخارجي، إذ ترى تركيا أن هذا التحول هو "شرعنة مقنعة" لكيان تراه امتدادًا لحزب العمال الكردستاني مما يعكس بدوره حالة من القلق والحذر المستدام تجاه عملية الدمج التي ترى فيها تركيا ضرورة إنهاء أي خطر قد تشكّله هذه القوات على أمنها، كما أن تحويل "قسد" من قوة مؤقتة سابقة مدعومة أميركيا إلى فاعل ضمن الجهاز الأمني في الدولة السورية سيبقي أنقرة ضمن دائرة المراقبة المستمرة لنشاط "قسد" وما يرتبط بها، وقد تجد تركيا نفسها أمام مساومة معقدة مع واشنطن حول "شروط وطبيعة هذا الدمج"، مثل إبعاد "القيادات القنديلية" وإعطاء المكون العربي في شرق الفرات وزنًا أكبر في هذه الهيكلية الجديدة لتبديد المخاوف التركية لا سيما من أدوار لقوى وأطراف إقليمية أو دولية أخرى قد تستثمر مستقبلاً في هذا المسار.
معادلة البقاء الجديدة
يوضح خولاني في هذا الصدد، أن واشنطن تسعى لشرعنة هذه القوات بوصفها مكونًا لا يمكن تجاوزه، ولتحويلها من قوة محلية مهددة إلى جهاز شرعي يضمن مصالحها في الدولة السورية الجديدة، على الرغم من أن العلاقات الآن بينها وبين الحكومة السورية الجديدة علاقات جيدة وفي تحسن مستمر.
فيما يختم شيخو بالقول إن واشنطن ستنجح في المدى المنظور في حماية جزئية لمكتسبات الإدارة الذاتية ضمن حدود معينة وتوافقية مع الحكومة السورية، فالميزانية التي تم إقرارها هي انعكاس لمقاربة أميركية أكثر واقعية، ورغم هذا التحصين فإن تحويل "قسد" إلى بند في "ميزانية دمج أمني مع الحكومة السورية" يعلن صراحة أن "قسد" ليست كيانًا مستقلًا ولن تكون، هذا يعني أن قيمتها السياسية أصبحت مرتبطة بطبيعة تحولات القوى في الداخل السوري.
إن انتقال المقاربة الأميركية تجاه "قسد" من "صندوق طوارئ الحرب" إلى الموازنة المؤسسية، ليست إجراءً ماليًا فقط، بل هي إعادة ترتيب ضمن هيكل الدولة السورية، إذ تبدو "هندسة البقاء" هذه بمثابة اعتراف أميركي واقعي بانتهاء الكيانات المستقلة، والبدء في مسار المساومات حيث ستتحول "قسد" من فصيل مسلح يبحث عن الاعتراف، إلى فاعل ضمن المؤسسات يخضع إلى تجاذبات الحسابات التفاوضية.
الكلمات المفتاحية
سوريا والتحولات الأميركية.. مكاسب الشراكة وكلفة التفويض
إن المكاسب المطروحة تبقى في الغالب مؤجلة أو مشروطة بأداء أمني مُرضٍ لواشنطن أولًا، وليست استحقاقًا تلقائيًا لمجرد المشاركة في القمة
"استكمال بناء" أم "تلافي أخطاء"؟.. قراءة في تغييرات وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات العامة
كيف نقرأ التغييرات في المناصب الأمنية التي جرت اليوم؟ ما الدلالات التي تنطوي عليها؟
من الفرضيات السياسية إلى خلية تنظيم الدولة.. ماذا تكشف تفجيرات دمشق؟
تكشف التفجيرات التي شهدتها دمشق عن استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها سوريا في مرحلة ما بعد التغيير السياسي
الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تدين استهداف السفن التجارية بالبحر الأسود وتطالب بتحقيق دولي
أدانت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في بيان لها اليوم الإثنين، بأشد العبارات تكرار الهجمات التي استهدفت سفنًا بحرية تجارية تضم على متنها بحارة وطواقم سورية
تقرير: شركة "شيفرون" تدرس إعادة تشغيل خط نفط يربط العراق بالساحل السوري
تدرس شركة النفط الأميركية العملاقة "شيفرون" إمكانية إعادة تأهيل خط أنابيب نفطي قديم يمتد من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس على الساحل السوري
بعد أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب.. كيف برر اتحاد السلة عقوباته؟
لم تكن أحداث مباراة حمص الفداء وأهلي حلب ضمن سلسلة مباريات "فانيال 4" في دوري سلة المحترفين مجرد لحظة عابرة في ذاكرة المنافسات الرياضية
ارتفاع جديد في درجات الحرارة.. ماذا ينتظر السوريين هذا الأسبوع؟
تشهد سوريا خلال الأيام المقبلة موجة طقس صيفية حارة تبلغ ذروتها يومي الثلاثاء والأربعاء، قبل أن تبدأ درجات الحرارة بالانخفاض اعتبارًا من الخميس