ultracheck
ثقافة وفنون

وارثة المفاتيح: استعارة للوطن المفقود في رواية سورية

3 نوفمبر 2025
وارثة المفاتيح
غلاف رواية وارثة المفاتيح (مواقع التواصل/الترا سوريا)
وداد سلومكاتبة سورية

تأتي رواية "وارثة المفاتيح" (الصادرة عن دار الربيع 2024) في القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2025، وهو الترشيح الثاني للأديبة السورية سوسن جميل حسن بعد روايتها السابقة "اسمي زيزفون".

تتخذ الرواية من عينة من المجتمع السوري في الساحل محورًا لها، لترصد من خلالها تبعات فساد السلطة السياسية وممارساتها عبر أذرعها الأخطبوطية التي تتسلل إلى غرف النوم وأدق الخصوصيات، وإلى البنية النفسية للإنسان، وما يترتب على ذلك من فساد اجتماعي يتسبب في تآكل بنية المجتمع بالكامل، وتحطم الإنسان داخليًا، وتفكك علاقته بالآخر، وإفلاس الأحلام، وانسداد السبل. ليصبح الطريق الوحيد المفتوح إما الموت أو الهجرة، وهي نتيجة أصبحت جلية في عموم سوريا خلال دوامة سنوات الحرب والعنف.

تدهس عجلة الأحداث أسرة عفيف الشرطي البسيط من مدينة اللاذقية ، لتؤول إلى تدمير حقيقي للشخصيات المستلبة، يتجلى من خلال المعاناة الذاتية والنفسية التي حكمت مصائرهم.

ورغم أن بعض أفراد الأسرة كانوا جزءًا من آلة الفساد والقمع، إلا أنهم كانوا جميعًا ضحايا لهذا الواقع وآلاته التي طحنتهم وقادتهم إلى نهايات قاسية. ولم يبق سوى الابنة الصغرى التي ورثت المفاتيح التي كانوا يدخلون ويخرجون بها من المنزل كغرباء، دون أن يتواصلوا بشكل حقيقي يضمن الحد الأدنى من إنسانيتهم والروابط المشتركة، في إسقاط على ثنائية البيت-الوطن وبموازاة العائلة بأبنائها.

تبدأ الكاتبة السرد بتصوير مشهدي من غرفة عفيف الشرطي الذي بلغ سن التقاعد. وبينما يجهز ثيابه وأغراضه لتسليمها في المخفر، نتعرف على صراعاته النفسية عبر مونولوج داخلي يستعرض فيه شريط الذكريات الطويل منذ يتم الطفولة إلى الشباب، ثم الحياة الزوجية التي انتهت إلى طلاق نفسي يحكمه قهر العجز أمام زوجته (رضية) بعد أن امتلكت قوة اقتصادية مدعومة من أحد أركان السلطة.

يستدعي هذا الشريط ألبوم صور العائلة، فتتدفق الذاكرة محملة بالتوتر وجلد الذات، وإحساسه بالفشل والتعفن الداخلي. مع كل صورة يستعيد الأحداث، وتأخذنا الكاتبة (الراوي العليم) عبر الفلاش باك مع ذكريات عفيف إلى شبابه، وكيف اضطره الفقر الشديد للالتحاق بسلك الشرطة. لكن فرحته بالمكانة وهيبة البدلة والراتب الذي ساعده على تكوين أسرة لم تدم طويلاً، فقد كان دومًا غير منسجم مع عمله والأسلوب السلطوي الظالم الممارس على الناس من إذلال ومهانة وانتهاك، انتهى بالضرب والتعذيب والقتل. ولأنه أحجم عن فعل أدنى فعل منها، ناله عداء زملائه ورؤسائه.

اكتشف عفيف أن الحق العام ليس أكثر من كذبة يتاجر بها رجال السلطة والقانون، وأن عمله كالعار العالق به، حتى أن إحساسه بالاتساخ يجعله يغسل يديه مرارًا حتى صار عادة مرضية أورثته "الإكزيما"، وصار جلده ينضح صديدًا مما يستدعي المزيد من الاغتسال لطرد تلك المفرزات والعفن الذي يشعر أنه استوطن جسده، وكأنه يقارب الليدي ماكبث بما ذهب إليه شكسبير في مسرحيته، وكيف كانت تكرر غسل يديها بشكل مرضي للتطهر من إثم القتل.

رافق هذا الإحساس إحساس بالدونية تجاه زوجته التي وسعت شبكة علاقاتها حتى وصلت إلى "الباشا"، وهو شخصية من العائلة الحاكمة، غنية ومتحكمة بما تستغله من انتماء للسلطة. سعت رضية للإفادة من علاقتها به لتعيش الحياة التي ترى أنها تستحقها، فهي الجميلة والذكية، وسلمته نفسها متطلعة إلى أن تجد لديه الحب والتقدير، فهي التي لا تشبه اسمها (رضية)، وكانت تشعر بظلم الحياة لها في زواجها المبكر من عفيف الفقير، وأن الحمل والإنجاب قد أخذا من عمرها ومن جسدها. لكن الباشا لم يمنحها سوى المال والثروة، ففرضت سلطتها في المنزل ونهضت بالأسرة اقتصاديًا.

بينما كان عفيف ينزلق إلى مهاوي الخسارة، إذ خسر رجولته معها وعلاقته بأبنائه واحترامهم، حتى صار يشمئز من وجهه في المرآة ومن صوته الذي لم يرتفع ضد الظلم بل استمر بالانخفاض حتى غاب في الصمت.

انتهت معاناته في يوم تسريحه بطريقة تراجيدية، إذ أطلق النار على رأسه بدل أداء التحية أمام الضابط المسؤول، في تعبير عن الرفض ورغبة حقيقية بتفريغ هذه السلطة من هيمنتها عليه.

أراد عفيف ليس فقط فصم الشريان الذي يربطه بهذا السلك والنظام معه، بل أيضًا أن يلوث دمه المكان كإعلان عن مسؤوليتهم أولًا عن الدم المراق في الشوارع، وعن إعادة العفن الذي كان يشعر به إلى منبته.

كان مؤمنًا - وهو عنصر غير مؤثر بأي قرار - بأن من واجب الدولة التفهم لمشاعر الشباب الذين أقدموا على التظاهر والثورة، لا قمعهم، هذا التفهم الذي فشل هو بمنحه لأولاده فنشأوا بعيداً عنه.

غيداء الابنة الكبرى المولعة بالتأريخ كانت تدون سرديتها الخاصة؛ هربت من المنزل بعد اكتشافها خيانة أمها وتزوجت (ستيفان) الشاب الثائر من ريف دمشق الذي سجن ثلاث سنوات، ثم غادرت معه إلى أوروبا.

أما عابد الابن، الذي دفعته والدته إلى دائرة مافيا الباشا والعمل مع ابنه، فصار على تماس مباشر مع أعمال عصابته التي يديرها، وابتلع الإهانة حتى الثمالة، فمات بجرعة زائدة من المخدرات هرباً من الواقع، تاركًا زوجته التي اغتصبها ابن الباشا لتعيش الصراع مع أمومتها ومحاولتها إنكار ابنها البكر (غزوان) الذي أتى نتيجة هذا الاغتصاب.

أما غزوان الحفيد، الذي ترك وحيدًا في مهب واقع تتغول فيه المافيا وتتوسع، فيهرب بعد أن سرق مصاغ جدته. لم تكن رضية إلا ضحية أخرى لهذا المجتمع مثل زوجها عفيف، رغم أنهما على طرفي نقيض من ميزان القوة. فهي التي حلمت أن تشابه حياة المصممين العالميين وأشخاص لهم شهرة كوكو شانيل وأمثالها، لكنها فقدت كل شيء في النهاية، حتى المصاغ ثروتها الباقية، مما أودى بها إلى الجنون، فأودعتها سمرا الابنة الصغرى في المصحة.

هكذا تطرق سوسن جميل حسن العلاقات الشائكة من أوسع الأبواب، فمن علاقة الشرطي عفيف بالسلطة وفصامه الذاتي والعام، إلى الزواج بين طبقتين اجتماعيتين (بزواج العمة مزنة مع ابن الإقطاعي) وما أفرزه من اغتراب اجتماعي وفصام مع الجذور، ثم زواج بين طائفتين (غيداء وستيفان)، إلى عمل المافيات الناشئة في البلاد ونشاطاتها غير المشروعة التي اعتاشت على علاقتها بالسلطة القائمة والنظام الذي حول البلاد إلى مزرعة خاصة، وقضت على أجيال من الشباب بينما قضت السلطة السياسية على الآخر.

وظفت الكاتبة بذكاء المعلومات التاريخية والثقافية، سواء عن اللوحات الفنية أو العطور أو تاريخ الموضة والمصممين، وهو ما أضاف بعدًا معرفيًا غنيًا في الرواية. فاللوحات التي وزعها الباشا في غرفة النوم والممرات للتأثير على ضحاياه، تشابه ما كان يفعله ريغوبيرتو بطل رواية "امتداح الخالة" باستعراضه اللوحات وقصصها الإيروتيكية لإثارة شهوة شريكته. لكن الباشا هنا همش القيمة الفنية للوحة، فهو البارع بتهميش الإنسان واستغلاله وتحطيم كل ما يراه، لأنه فارغ من الداخل.

لا تقع الكاتبة في مهاوي اليأس، فحتى انتحار البطل عفيف ما هو إلا صرخة أخيرة في وجه العجز، بينما تجعل النهاية مفتوحة للأمل عبر سمرا الابنة الصغرى التي نمت في الظل ودون أن ينتبه إليها أحد، وكأنها صوت الأجيال القادمة التي تحتفظ بمشاريعها وأحلامها وتبتكرها من قلب المعاناة، وهو الأمل الذي سيراهن عليه القارئ في النهاية.

استخدمت الكاتبة صوتها كراو عليم، ولعبت على وتر الاستعادة في الأحداث لبيان التصاعد الدرامي لحياة الأسرة موازيًا لتصاعد الأحداث السياسية في الواقع والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، وتنامي الحالة النفسية للشخصيات، وذلك بلغة بسيطة تعتني فيها بالإحساس الصادق الذي يعكس عوالم تلك الشخصيات وبنائها الداخلي، تاركة النهاية مفتوحة لجملة من التساؤلات، إذ تجمع سمرا "الناجي الأخير" المفاتيح المعلقة خلف الباب في كيس تتركه على الطاولة، وكأنه إرث ثقيل، لكنها لا ترميه بل تتركه متاحاً لكل من يعود، كحياة مؤجلة في انتظار القادم، كما كانت المفاتيح في القضية الفلسطينية عنوانًا للوطن المفقود.

الكلمات المفتاحية

معرض الكتاب

"فضاءات ميديا" تجمع منصاتها تحت سقف واحد في معرض دمشق الدولي للكتاب

سجّلت مجموعة فضاءات ميديا حضورًا بارزًا ولافتًا في معرض دمشق الدولي للكتاب، من خلال جناح إعلامي متكامل جمع تحت سقف واحد أبرز منصاتها


معرض الكتاب

"رويترز": معرض دمشق للكتاب يعكس تحولات ثقافية بعد سقوط نظام الأسد

سلّط تقرير لوكالة "رويترز" الضوء على التحولات التي يشهدها معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية، بوصفه أول معرض يُنظم بعد الإطاحة بنظام الأسد أواخر عام 2024


الفرات

خلف الأرقام: الفرات كائن حي في المخيال الشعبي للجزيرة السورية

خلف الضجيج السياسي حول حصص المياه، وبعيدًا عن تقارير المناخ التي تتحدث عن جفاف يلوح في الأفق، يجري نهر آخر في عروق السوريين على ضفاف الفرات


معرض الكتاب

بطلب من بغداد: دمشق تمنع عرض كتاب يضم خطب الزرقاوي في معرض الكتاب

أفادت وكالة "رويترز" بأن الحكومة السورية منعت عرض كتاب مرتبط بـ"تنظيم القاعدة" في معرض الكتاب بدمشق، عقب طلب تقدّمت به بغداد

الجزيرة السورية
مجتمع واقتصاد

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع

يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

جرم ترك العمل
أخبار

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة

أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"


ما اختلفنا 3
منوعات

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد

يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مخيم الهول
أخبار

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات

تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول

الأكثر قراءة

1
قول

بين النص والتعميم.. من يملك تعريف حدود الوكالة القضائية


2
مجتمع واقتصاد

من الحقول المتعثرة إلى السواحل: مذكرة التنقيب تفتح أفقًا جديدًا للاقتصاد السوري


3
منوعات

في ختام الجولة الثامنة بالدوري الممتاز: دمشق الأهلي يتجاوز الشرطة بثنائية نظيفة


4
أخبار

تقرير: لاجئ سوري يحوّل رحلة اللجوء إلى استوديو تصوير في فيينا


5
أخبار

واشنطن تدعو دمشق للمرونة وترحب بالتقدم في الاتفاق مع "قسد"


advert