واشنطن تراقب وأنقرة تستعجل الحسم.. ملف "قسد" في ظل التوازنات الإقليمية
14 يناير 2026
شهدت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، في الأيام القليلة الماضية، اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين وعسكريين ونزوح واسع، قبل أن يعلن الجيش السوري تعليق عملياته العسكرية والبدء بنقل مقاتلي قسد إلى مناطق شمال شرقي البلاد.
تركيا أبدت دعمًا صريحًا لتحرك الجيش السوري، إذ أكدت وزارة الدفاع التركية استعدادها لتقديم "أي دعم" مطلوب من دمشق لمواجهة ما تصفه بـ"التنظيمات الإرهابية".
وفي تصريحات لوزير الخارجية هاكان فيدان، وُصفت قسد بأنها "لا تستجيب إلا للقوة"، مشددًا على ضرورة إنهاء أي "هيكل موازٍ" في حلب وانسحاب قسد من الأحياء المتنازع عليها.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة موقفًا أكثر حذرًا؛ فهي تعتبر قسد شريكًا أساسيًا في مكافحة تنظيم الدولة، لكن مبعوثها الخاص توم باراك دعا إلى الالتزام باتفاق مارس/آذار 2025 لدمج قسد في مؤسسات الدولة السورية، محذّرًا من أن استمرار الاشتباكات "يدعو لتدخلات أجنبية".
د. طه عودة أوغلو، باحث تركي في العلاقات الدولية، قال لموقع "الترا سوريا" إن التصريحات التركية الأخيرة اتسمت بسقف عالٍ، لا سيما تلك الصادرة عن مسؤولين بارزين، مشيرًا إلى أن أنقرة باتت تتحدث بلغة القوة وليس الوعود.
وأوضح أن تركيا تواصلت مع القوى الفاعلة في الملف السوري، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، لإيصال رسالة مفادها أن استمرار عرقلة مسار حكومة دمشق قد يؤدي إلى فوضى داخلية في سوريا.
وأضاف أوغلو أن أنقرة ، وإن لم تكن قد حصلت على تفويض كامل، فقد أخذت هامشًا يسمح لها بالتحرك ميدانيًا، وهو ما يفسر حالة الغضب لدى قوات قسد، والتي تعكس امتعاضًا واضحًا من الموقف الأمريكي.
واعتبر أن ما جرى مؤخرًا في حلب يمثل معادلة جديدة في المشهد السوري، تشارك فيها تركيا بشكل مباشر، بينما تؤكد دمشق أن مرحلة “التسويات الهشة” قد انتهت، وأن التحرك بات فعليًا وعلى الأرض، لا في إطار الوعود.
كما أشار الباحث التركي إلى أن هذه المعادلة المركبة تمثل تقاطعًا في المصالح بين دمشق وأنقرة، وتحمل رسالة واضحة، وإن كانت غير مباشرة، إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وحول مسار التقارب السوري التركي، أوضح أوغلو أنه وصل إلى مراحل متعددة، ولم يعد مقتصرًا على البعد السياسي فقط، بل شمل تقاربًا أمنيًا وعسكريًا، وهو ما تراقبه واشنطن بدقة.
وبيّن أن الولايات المتحدة تأخذ هذا التطور بعين الاعتبار، خاصة في ظل الرسائل التركية المتعددة خلال الأيام الماضية، والتي أكدت أن عدم اتخاذ خطوات عملية على الأرض، وخصوصًا فيما يتعلق بردع "قسد"، سيؤدي إلى تعميق هذا التقارب واتساع أبعاده في المرحلة المقبلة.
وأوضح أوغلو أن التركيز التركي على مدينة حلب يحمل أهمية خاصة، مرجحًا أن تسمح واشنطن بتكرار سيناريو حلب في مراحل لاحقة، خصوصًا في ظل الرهان الذي تعوّل عليه قيادة الشرع لنجاح هذه التجربة، لما ستمنحه من قوة سياسية وميدانية.
كما لفت إلى أن حلب تمثل بالنسبة لتركيا منطقة صناعية استراتيجية يمكن أن تنعكس إيجابًا على الوضع الداخلي في سوريا، ليس سياسيًا فحسب، بل اقتصاديًا أيضًا.
وفي سياق متصل، أشار الباحث إلى أن الانشغال الدولي بملفات أخرى، مثل إيران والحرب الروسية الأوكرانية، إضافة إلى قضايا متعددة على أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يمنح أنقرة فرصة لاستغلال هذه الظروف لإعادة صياغة مقاربتها مع قسد، إلى جانب تعميق تقاربها مع دمشق على مختلف المستويات.
وختم أوغلو بالقول إن "الكرة باتت اليوم في ملعب أنقرة، التي تمتلك هامشًا واسعًا للتحرك، لكنها تسعى إلى تحقيق أهدافها بالطريقة الصحيحة دون تكبد خسائر استراتيجية، مع السعي لتحقيق مكاسب ميدانية وسياسية، إضافة إلى ضمان نجاح إدارة الشرع في المرحلة المقبلة".
من جهته، قال د. سامر الصفدي، عضو المجلس السوري الأمريكي للسلام والازدهار، في حديث لموقع "الترا سوريا"، إن الترحيب الأميركي بالهدنة في حلب، دون إدانة صريحة للعملية العسكرية السورية، يعكس تغيرًا واضحًا في مقاربة واشنطن للملف السوري.
وأوضح أن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد، كما في السابق، على شريك واحد في مكافحة الإرهاب، مشيرًا إلى أن تمويل "قوات سوريا الديمقراطية" شهد تراجعًا خلال السنوات الماضية، وأن ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية تتضمن نحو 130 مليون دولار مخصصة لدعم قسد و"جيش سوريا الحرة"، منها حوالي 65 مليون دولار تُصرف على رواتب مظلوم عبدي وضباطه.
وأشار الصفدي إلى أن واشنطن اليوم بات لديها شريك بديل وأكثر أهمية يتمثل في الدولة السورية، مع التركيز على دمج قسد ضمن وزارة الدفاع السورية كما حدث مع "جيش سوريا الحرة"، محذرًا من أن عدم استجابة قسد لهذه المطالب قد يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في آلية التمويل المخصصة لها ضمن موازنة 2026.
بدوره، قال الباحث السياسي محمد خير الشرتح، لموقع "الترا سوريا"، إن "المشهد الأخير في حلب يعكس تحولًا جوهريًا في المعادلة السورية التركية الأمريكية. أنقرة باتت تتحرك بوضوح على الأرض، مستغلة الفراغ الدولي وتراجع الاهتمام الأمريكي المباشر بملف قسد، بينما تسعى دمشق إلى تعزيز سيطرتها على الأماكن المتنازع عليها ضمن خطة أوسع لدمج القوات المحلية في مؤسسات الدولة". وأضاف: "واشنطن، رغم حرصها على الحفاظ على شراكتها مع قسد، بدأت تمارس ضغوطًا لإعادة ترتيب الأولويات، مما يتيح لأنقرة هامش تحرك محدودًا ولكنه مؤثر".
وختم بالقول: "حلب لم تكن مجرد ساحة نزاع، بل نقطة اختبار لمدى قدرة القوى الإقليمية والدولية على فرض حلول عملية. وفي ظل هذا الواقع المعقد، يبقى التساؤل قائمًا حول مدى استعداد الولايات المتحدة للتخلي عن أدواتها السابقة لصالح شريك سوري رسمي، ومدى قدرة تركيا ودمشق على تحويل هذا التقارب الميداني إلى نفوذ سياسي طويل الأمد".
الكلمات المفتاحية

الدمج المؤسساتي في الحسكة.. بين مركزية دمشق وهواجس "الإدارة الذاتية"
تشكل قضية اندماج المؤسسات في محافظة الحسكة تحديًا أمنيًا وعسكريًا وإداريًا للحكومة السورية

"الكرمانجية" في دائرة الاعتراف.. تحديات تعليم اللغة الكردية في المدارس السورية
شكّل المرسوم الرئاسي رقم (13) المتعلق بالمكوّن الكردي في سوريا محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالهوية الكردية بوصفها جزءًا أصيلًا من النسيج المجتمعي السوري

"ذا أتلانتك": غرور الأسد وانتهاء وظيفته الإقليمية عجّلا بسقوط نظامه
ركّز التقرير بصورة لافتة على شخصية الأسد نفسها، معتبرًا أنها لعبت دورًا مركزيًا في انهيار نظامه أواخر 2024

صوت الجزيرة السورية في مرحلة ما بعد "قيصر".. آمال التعافي وقلق الواقع
يرصد التقرير آراء متنوعة من مختلف الفئات الاجتماعية في الجزيرة، لترسم صورة حية لتطلعاتهم ومخاوفهم في هذه المرحلة المفصلية، بعد مرور شهرين على إلغاء قانون قيصر

دعوى تعود إلى 2014 تدفع أكاديميًا إلى الاستقالة من جامعة دمشق بعد تسديد غرامة
أعلن الدكتور عماد كنعان استقالته من جامعة دمشق، موضحًا أنه اضطر إلى تسوية دعوى قضائية تعود لعام 2014 بتهمة "جرم ترك العمل"

"ميتافورا" تطرح مقطعًا مصورًا لـ"ما اختلفنا 3".. لوحات اجتماعية ساخرة وطاقم متجدد
يمنح المقطع الترويجي نظرة أولى على لوحات السلسلة الساخرة التي تحاكي واقع المجتمع السوري من خلال مواقف يومية ولحظات طريفة

مقاطع متداولة توثق خروج نساء وأطفال من مخيم الهول وسط تضارب الروايات
تداولت صفحات على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يُظهر خروج نساء وأطفال من مخيم الهول


