وجود النساء في الأجهزة الأمنية.. وجه آخر للعدالة
30 نوفمبر 2025
لا يزال وجود المرأة السورية في مفاصل الدولة ومراكز صناعة القرار وجودًا خجولًا يخضع لمعطيات عدة، بعضهًا يتعلق بالموروث الاجتماعي والصورة النمطية للمرأة، ويتمحور حول النظرة القاصرة لدور المرأة في بناء المجتمع.
ويعد وجود النساء في الأجهزة الأمنية خطوة جريئة تعكس متطلبات المجتمع بالدرجة الأولى وتمكين النساء بالدرجة الثانية، إذ تمنح المرأة حق اختيار العمل الذي تجد نفسها به، بعيدًا عن التقاليد والأعراف المجتمعية التي تضع حدودًا لقدرة النساء متجاهلة لرغبتهن وكفاءاتهن وقدرتهن على صناعة التغيير.
وجود النساء في الأجهزة الأمنية شكل من أشكال التمكين
وفي هذا السياق فتحت وزارة الداخلية أمام النساء باب الانتساب إلى قوى الأمن الداخلي، عبر الالتحاق بمعهد الشرطة النسائية، ما يكسر الصورة النمطية للمرأة في مجالات محددة، وانفتاح الحكومة السورية الجديدة على وجود المرأة في الأجهزة الأمنية ومفاصل الدولة، حيث كان وجودها في هذه القطاعات بعيد المنال للنساء بكافة توجهاتهن، ولم يكن وجودًا فعليًا بل مجرد تمثيل عددي، كما أشارت مديرة جمعية "رفقًا" النسائية، الناشطة المجتمعية وضحا العثمان"، لـ "الترا سوريا".
وأضافت العثمان أن وجود المرأة في أجهزة الشرطة يعتبر تحديًا، فقد ترفض المجتمعات ذلك، وتعتبر أن المرأة تغدو عرضة للتحرش والمواقف السيئة خلال وجودها ضمن هذه الأجهزة، مؤكدة أهمية توفير عوامل الحماية والمتابعة لضمان سلامة النساء داخل الأجهزة الأمنية، وفرض عقوبات رادعة للمتجاوزين والمنتهكين، بالإضافة لاختيار العاملين في هذا السلك بعناية، منعًا للتجاوزات بأنواعها.
وتلفت العثمان إلى أن وجود النساء في الأجهزة الأمنية يعد شكلًا من أشكال تمكين المرأة، والعمل على التمثيل العادل للمجتمع، وتكريس مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة والتوظيف وفقًا للكفاءة.
الضغوط النفسية التي تواجه العاملات في الأجهزة الأمنية
المعالجة النفسية والمديرة التنفيذية لمنظمة "إنسان"، رشا علوان، توضح أن النساء العاملات في الأجهزة الأمنية، يتعرضن لضغوطات مزدوجة تجمع بين التحديات المهنية الصعبة والتوقعات المجتمعية التقليدية، مشيرة إلى الضغط المرتبط بطبيعة هذا العمل والتعامل مع أحداث عالية الخطورة من جرائم وتهديدات وتدخلات طارئة، ومواجهة أحداث ومشاهد تؤدي للاحتراق النفسي وضغوط ما بعد الصدمة، بالإضافة إلى ساعات العمل الطويلة والمناوبات الليلية التي تنعكس سلبًا على الصحة النفسية وجودة النوم.
وتضيف علوان أن النساء في هذا المجال تعاني أيضًا من صعوبة الموازنة بين الدور المهني والأسري، حيث غالبًا مايتوقع المجتمع من المرأة التزامًا أكبر بدورها الأسري، ما يمكن أن يولد لديها شعورًا بالذنب تجاه الشريك والأبناء، كما أنها تختبر شعورًا مضاعفًا بضرورة إثبات الذات في هذا العمل.
وتعاني النساء، وفقًا لـ علوان، من التمييز والانحياز تبعًا للنوع الاجتماعي، والتشكيك بقدرتهن الجسدية والمهنية، والتعرض لسلوكيات وتعليقات متحيزة للتقليل من شأنهن، ما يجعلهن يعانين من القلق خوفًا من ضغط المقارنة مع الرجال، لافتة إلى المخاوف المرتبطة بالسلامة الشخصية للعاملات في هذا المجال، فخطر التعرض للاعتداء أو الاستهداف أثناء المهمات قائم بالإضافة للتعامل مع مجرمين قد يظهروا عدائية موجهة ضد النساء تحديدًا، وعدم التعبير عن الإجهاد خوفًا من الحكم عليهن بالضعف.
آليات مواجهة وتخطي الضغوطات
وعن آليات تجاوز الضغوط النفسية للعاملات في الأجهزة الأمنية، تشير علوان إلى ضرورة بناء صلابة نفسية مهنية، عبر تدريبات تحاكي الواقع، للمساعدة على التكيف وتنمية مهارات المواجهة وترسيخ فكرة أن الفشل هو خبرة مهنية تضاف للرصيد، كما يتطلب الأمر رعاية للذات بتوفير ساعات نوم كافية وممارسة التمارين الرياضية وتخصيص وقت للراحة والتفريغ، وتعلم تقنيات تنظيم الانفعال وإدارة التوتر، من خلال التنفس العميق وتقنيات التأريض لتهدئة الجهاز العصبي ورفع كفاءة اليقظة الذهنية.
وتحتاج العاملات في هذا المجال أيضًا للدعم الاجتماعي والمهني وخلق ثقافة عمل صحية تحترم الدور المهني للمرأة، ووضع الحدود بين العمل والحياة الشخصية، وتلقي تدريبات على إدارة المواقف الخطيرة وتقوية التواصل الفعال والاحتواء لضحايا العنف، ورفع المهارات البدنية لتعزيز الاستقرار النفسي.
وتوضح علوان طرق مواجهة التحيز والتمييز بأساليب صحية كتوثيق الإساءة الرسمية للحصول على حماية قانونية، وتشكيل مجموعات دعم بين النساء في الجهاز الأمني، والحصول على برامج وقاية من الاحتراق النفسي، مشيرة إلى أهمية خلق بيئة عمل آمنة للنساء في هذه الأجهزة، عبر تفعيل بروتوكولات للسلامة في المهمات الحساسة، وتوفير معدات للسلامة الشخصية، ووضع سياسات وقوانين صارمة داخل المؤسسة ضد المنتهكين والمتحرشين وغيرهم.
وحول العوامل النفسية التي تساعد النساء في هذا القطاع، فإنها تشمل الصلابة النفسية، التي تتمثل في مهارات التعامل مع الضغط والقدرة على التعافي بعد الأحداث الصادمة، ووجود دعم اجتماعي كدعم الأسرة والشريك والزملاء، والكفاءة المهنية التي تعني التدريب واكتساب المهارات القتالية والتنظيمية والمعرفية، وتنمية القدرة على التحكم بردود الفعل في المواقف الحساسة، ووجود مسارات ترقية عادلة تعزز الشعور بالإنصاف وتمنح الحافز على الاستمرار، وتوفير برامج دعم نفسية للعاملات، وجلسات تفريغ انفعالي، وتدريبات للحفاظ على الصحة النفسية.
الانعكاس الإيجابي لوجود النساء في الأجهزة الأمنية
وتبين علوان الانعكاس الإيجابي لوجود النساء ضمن كوادر الأجهزة الأمنية على الضحايا خاصة من الحلقات الأكثر ضعفًا في المجتمع من الأطفال والنساء، حيث يمنح وجود النساء شعورًا بالأمان للضحايا، ويسهل الإفصاح عن تفاصيل العنف والحديث عن الانتهاكات الجسدية والجنسية، ويساهم في كسر حاجز الصمت الذي يحمي المعتدين، مضيفة أن النساء غالبًا ما يمتلكن مهارات الاستماع التعاطفي وتنظيم الانفعالات، ما يعزز شعور الضحية بأنها مفهومة ويخفف التوتر والقلق ويساعد في بناء علاقة ثقة تساهم في جمع معلومات دقيقة.
وتخص علوان بالذكر ضرورة وجود نساء في أقسام العنف الأسري، ما يعني تقييمًا أدق للحالات النفسية للضحايا، وقرارات أكثر حساسية تجاه الأطفال، مؤكدة أن وجود ضابطات أمن في حماية الأسرة يجعل النساء يشعرن بأن التبليغ ليس عارًا بل خطوة قوية
وينعكس وجود المرأة في الأجهزة الأمنية على بنية المجتمع، فيساهم في تعزيز ثقة المجتمع في المؤسسات الأمنية، فالتنوع داخل المؤسسة يرسل رسالة مفادها "هذه المؤسسة تمثل الجميع"، ويساهم في كسر الصورة النمطية حول الأدوار الجندرية ويعطي تصور عن قدرة النساء على القيادة ودورها في الحماية ومساهمتها في الأمن القومي.
كما يساهم وجود النساء في الحد من العنف القادم على النوع الاجتماعي، وزيادة حساسية القرارات الأمنية تجاه قضايا المرأة وحماية الفئات الهشة بشكل أفضل، فالنساء أكثر قدرة على الاستجابة لقضايا العنف الأسري والاعتداءات الجنسية والاتجار بالبشر.
وتختم علوان حديثها بالقول: "كلما زاد تمثيل المرأة في مواقع القوة، زادت قدرة المجتمع على إنتاج سياسات عادلة ومتوازنة نفسيًا واجتماعيًا".
الكلمات المفتاحية

كيف تعود "الرموز الوطنية" أداة لبناء الهوية الجامعة
تشكل الرموز الوطنية، مثل العلم والنشيد والعملة، أكثر من مجرد علامات سيادية أو أدوات رسمية؛ فهي تعبير مكثف عن هوية الدولة وذاكرتها

حوار| المعتصم الكيلاني: العدالة الانتقالية تعاني من حالة تأخير ممنهجة
يتحدث الكيلاني لـ"ألترا سوريا" في هذا الحوار حول ملفات عديدة تحوز على اهتمام السوريين، وأهمها ملف العدالة الانتقالية

النشيد الوطني وإعادة بناء الهوية السورية الجامعة
يمثل "النشيد الوطني" أحد أهم الرموز قدرة على اختزال معاني الدولة والهوية والانتماء

رويترز: الجيش السوري يستعد لمهاجمة "قسد" في مناطق بشمال وشرق البلاد
لا تزال الأنظار متجهة إلى ريف حلب الشرقي، حيث يستمر الوضع المتوتر بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية

تصعيد مستمر في ريف حلب الشرقي واتهامات لـ "قسد" بمنع المدنيين من استخدام الممر الآمن
أعلنت منطقة منبج، اليوم، عن افتتاح ثلاثة مراكز إيواء لاستقبال الأهالي القادمين عبر الممر الإنساني من المناطق التي ستشهد عمليات عسكرية

بعد تعادله مع الإمارات.. منتخب سوريا الأولمبي يودّع نهائيات آسيا
ودّع منتخب سوريا تحت 23 عامًا نهائيات آسيا لكرة القدم، بعد تعادله مع الإمارات بهدف لمثله

معركة أخرى قادمة.. خطوة أخرى بعيدًا عن مشروع الدولة الوطنية
تتجمع نذر الحرب في سماء ريف حلب الشرقي، والمؤكد أن النصر، وأيًا كان الفريق الذي سوف يحالفه، لن يكون لبنة في بناء الدولة الوطنية المنشودة


